نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤٥
أوّلها: أن يكون «ما» في قوله: «و ما أنزل على الملكين» بمعنى الّذي، فكأنّه تعالى أخبر عن طائفة من أهل الكتاب، بأنّهم اتّبعوا ما تكذب به الشياطين على ملك سليمان، و تضيفه إليه من السّحر؛ فبرّأه اللّه تعالى من قرفهم، و أكذبهم في قولهم، فقال: وَ مََا كَفَرَ سُلَيْمََانُ وَ لََكِنَّ اَلشَّيََاطِينَ كَفَرُوا باستعمال السّحر و التمويه على الناس، ثمّ قال: يُعَلِّمُونَ اَلنََّاسَ اَلسِّحْرَ وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ و أراد أنّهم يعلّمونهم السّحر و الذي أنزل على الملكين، و إنّما أنزل على الملكين وصف السحر و ماهيّته و كيفية الاحتيال فيه؛ ليعرفا ذلك و يعرّفاه للناس فيجتنبوه و يحذروا منه، كما أنّه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي، و وصف لنا أعمال القبائح لنجتنبها لا لنوقعها؛ لأنّ الشياطين كانوا إذا علموا ذلك و عرفوه استعملوه، و أقدموا على فعله؛ و إن كان غيرهم من المؤمنين لمّا عرفه اجتنبه و حاذره و انتفع باطّلاعه على كيفيته، ثمّ قال: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ يعنى الملكين، و معنى «يعلّمان» يعلمان، و العرب تستعمل لفظة «علّمه» بمعني «أعلمه» ، قال القطاميّ:
تعلّم أنّ بعد الغيّ رشدا # و أنّ لتانك الغبر انقشاعا [١]
و قال كعب بن زهير:
تعلّم رسول اللّه أنّك مدركي # و أنّ وعيدا منك كالأخذ باليد [٢]
و معنى «تعلّم» في البيتين معنى «اعلم» [٣] ؛ و الذي يدلّ أنّ المراد هاهنا الإعلام لا التعليم قوله: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ حَتََّى يَقُولاََ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاََ تَكْفُرْ، أي أنّهما لا يعرّفان صفات السحر و كيفيته إلاّ بعد أن يقولا إنّما نحن محنة، لأنّ الفتنة بمعنى المحنة؛ و إنّما كان محنة، بحيث ألقيا إلى المكلّفين أمرا لينزجروا عنه، و ليمتنعوا من مواقعته، و هم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه و يرتكبوه، فقالا
[١] ديوانه: ٤٠؛ و في بعض النسخ: «لهذه الغمر» . و هي رواية الديوان و الغمر: جمع غمرة، و هي الشدة.
[٢] ملحقات ديوانه: ٢٥٨ (عن الغرر) .
[٣] حواشي بعض النسخ: «قال ابن السكيت رحمه اللّه: يقال: تعلّمت أن فلانا خارج يعني علمت، و إذا قال لك: اعلم أنّ زيدا خارج قلت: قد علمت، و إذا قال: تعلم أن زيدا خارج لم تقل: قد تعلمت؛ يعني أنّه يقتصر على ما ورد عنهم، و لا يتجاوز إلى غيره» .