نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٨ - الأدلة العقلية على تنزيه اللّه من خلق الشرور
من فعل ما لا يرضى به فهو غير حكيم، و من يعيب ما صنع و يصنع ما يعيب فهو معيب و اللّه يتعالى عن هذه الصفات علوّا كبيرا، فلمّا لم يجز على ربّنا أن يعيب ما صنع و لا يسخط ما يفعل علمنا أنّ أفعال العباد غير فعل ربّ العالمين.
و أيضا؛ فإنّ اللّه قال في كتابه: وَ لاََ يَرْضىََ لِعِبََادِهِ اَلْكُفْرَ [١] و قال: ذََلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا مََا أَسْخَطَ اَللََّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوََانَهُ [٢] فاللّه أحكم و أعدل من أن يسخط في فعله، و يغضب من خلقه، و يفعل ما لا يرضى به.
و أيضا فإنّ الفاعل للفاحشة و الظلم و الكفر أكثر استحقاقا للذمّ من الأمر بالفاحشة أو الكفر، فلمّا كان الأمر بالكفر و الظلم و الفواحش غير حكيم كان الفاعل لذلك و المحدث له غير حكيم، فلمّا كان اللّه أحكم الحاكمين علمنا أنّه غير فاعل للكفر، و لا محدث للظلم، و لا مبتدع للقبائح، و لا مخترع للفواحش، و ثبت أنّ الظلم فعل الظالمين، و الفساد فعل المفسدين، و الكذب فعل الكاذبين و ليس شيء من ذلك فعل ربّ العالمين.
و أيضا؛ فإنّه لا تخلو أفعال العباد من أن تكون كلّها فعل ربّ العالمين لا فاعل لها غيره، أو أن تكون فعله و فعل خلقه و كسبهم، أو أن تكون فعل العباد و ليست بفعل اللّه، فلمّا لم يجز أن يكون اللّه تعالى منفردا بالافعال و لا فاعل لها غيره؛ لأنّه لو كان كذلك كان لا يجوز إرسال الرسل و إنزال الكتب و لبطل الأمر و النهي، و الوعد و الوعيد، و الحمد و الذمّ؛ لأنّه لا فعل للعباد، و أوجب أيضا أن يكون هو الفاعل لشتم نفسه، و للعن أنبيائه، و للفسوق و الفجور، و الكذب و الظلم، و العبث و الفساد، فلو كان ذلك منه وحده كان هو الظالم و الكاذب و العابث و المفسد، إذ كان لا فاعل للظلم و العبث و الكذب و الفساد غيره، و لو كان فاعلا لما فعله العباد كان هو الفاعل للظلم الذي فعله العباد و الكذب و العبث و الفساد و كان يجب أن يكون ظالما كما أنّهم ظالمون، و كان عابثا مفسدا إذ لم يكونوا الفاعلين لهذه الامور دونه، و لا هو الفاعل لها دونهم.
[١] سورة الزمر، الآية: ٧.
[٢] سورة محمّد، الآية: ٣٨.