نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٩ - تنزيه الأنبياء كافة عن الصغائر و الكبائر
فإن قيل: فمن أين قلتم أنّ الصغائر لا تجوز على الأنبياء في حال النبوّة و قبلها؟
قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين عند التأمّل؛ لأنّا كما نعلم أنّ من يجوز كونه فاعلا لكبيرة متقدّمة قد تاب منها و أقلع عنها و لم يبق معه شيء من استحقاق عقابها و ذمّها، لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك. و كذلك نعلم أنّ من يجوز عليه الصغائر من الأنبياء عليهم السّلام أن يكون مقدما على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال نبوّته أو قبلها، و إن وقعت مكفّرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كلّ القبائح و لا نجوّز عليه فعل شيء منها. فأمّا الاعتذار في تجويز الصغائر بأنّ العقاب و الذمّ عنها ساقطان فليس بشيء؛ لأنّه لا معتبر في باب التنفير بالذمّ و العقاب حتّى يكون التنفير واقعا عليهما، ألا ترى أنّ كثيرا من المباحات منفّر و لا ذمّ عليه و لا عقاب و كثيرا من الخلق و الهيئآت منفّر و هو خارج عن باب الذمّ؟على أنّ هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم قبل البعثة؛ لأنّ التوبة و الاقلاع قد أزالا الذمّ و العقاب اللذين يقف التنفير على هذا القول عليهما.
فإن قيل: كيف تنفّر الصغائر و إنّما حظّها تقليل الثواب و تنقيصه؟لأنّها بكونها صغائر قد خرجت من اقتضاء الذمّ و العقاب، و معلوم أنّ قلّة الثواب غير منفّرة. ألا ترون أنّ كثيرا من الأنبياء عليهم السّلام قد يتركون كثيرا من النوافل ممّا لو فعلوه لاستحقّوا كثيرا من الثواب، و لا يكون ذلك منفّرا عنهم.
قلنا: إنّ الصغاير لم تكن منفّرة من حيث قلّة الثواب معها، بل إنّما كانت كذلك من حيث كانت قبائح و معاصي للّه تعالى، و قد بيّنا أنّ الملجأ في باب المنفّر إلى العادة و الشاهد. و قد دللنا على أنّهما يقتضيان بتنفير جميع الذنوب و القبائح على الوجه الّذي بيناه.
و بعد: فإنّ الصغائر في هذا الباب بخلاف الامتناع من النوافل؛ لأنّها تنقص