نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٨ - تنزيه الأنبياء كافة عن الصغائر و الكبائر
يحصل الشيء عنده، كما يبعّد عنه ما لا يرتفع عنده، ألا ترى أنّ عبوس الداعي للناس إلى طعامه و تضجّره و تبرّمه، منفّر في العادة عن حضور دعوته و تناول طعامه؟و قد يقع مع ما ذكرناه الحضور و التناول، و لا يخرجه من أن يكون منفرّا؛ و كذلك طلاقة وجهه و استبشاره و تبسّمه يقرّب من حضور دعوته و تناول طعامه، و قد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه و لا يخرجه من أن يكون مقرّبا، فدلّ على أنّ المعتبر في باب المنفّر و المقرّب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفّر عنه أو ارتفاعه، فان قيل: فهذا يقتضي أنّ الكبائر لا تقع منهم في حال النبوّة، فمن أين أنّها لا تقع منهم قبل النبوّة، و قد زال حكمها بالنبوّة المسقطة للعقاب و الذمّ، و لم يبق وجه يقتضي التنفير؟
قلنا: الطريقة في الأمرين واحدة؛ لأنّا نعلم أنّ من يجوز عليه الكفر و الكبائر في حال من الأحوال و إن تاب منهما، و خرج من استحقاق العقاب بها لا نسكن إلى قبول قوله، كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الاحوال و لا على وجه من الوجوه، و لهذا لا يكون حال الواعظ لنا الداعي إلى اللّه تعالى و نحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب، و إن كان قد فارق جميع ذلك و تاب منه، عندنا و في نفوسنا، كحال من لم نعهد منه إلاّ النزاهة و الطهارة، و معلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون و النفور، و لهذا كثيرا ما يعيّر الناس من يعهدون منه القبائح المتقدّمة بها و إن وقعت التوبة منها، و يجعلون ذلك عيبا و نقصا و قادحا و مؤثّرا. و ليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوّة منخفضا عن تجويزها في حال النبوّة، و ناقصا عن رتبته في باب التنفير، وجب أن لا يكون فيه شيء من التنفير؛ لأنّ الشيئين قد يشتركان في التنفير، و إن كان أحدهما أقوى من صاحبه. ألا ترى أنّ كثير السخف و المجون و الاستمرار عليهما و الانهماك فيهما منفرّ لا محالة، و أنّ القليل من السخف الذي لا يقع إلاّ في الأحيان و الأوقات المتباعدة منفّر أيضا، و إن فارق الأوّل في قوّة التنفير و لم يخرجه نقصانه في هذا الباب من الأوّل من أن يكون منفّرا في نفسه؟