نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٨ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
أنه لا يدلّ على النبوّة، و أن البشر يقدرون على مثله، فأمّا كونه معجزا بمعنى أنه في نفسه خارق للعادة دون ما هو مسند إليه و دالّ عليه من الصرف عن معارضته، فممّا لا يعرفه من يراد الشناعة عندهم، و الكلام في تحقيق ذلك وقف على المتكلّمين.
و إذا شنّع على ذهب إلى خرق العادة بفصاحة بأنك تقول: إن العرب، بل كلّ ناطق قادرون على فعل مثل القرآن في فصاحته و جميع صفاته، بطلت شناعته و احتاج من تفصيل قوله إلى مثل ما احتجنا إليه.
و من ذهب إلى[أن]القرآن موجود في السماء قبل النبوّة لا يمكنه أن يجعل القرآن هو العلم المعجز القائم مقام التصديق؛ لأن العلم على صدق الدعوى لا يجوز أن يتقدّمها، بل لا بدّ من حدوثه مطابقا لها.
فإذا قيل: نزول جبرئيل عليه السّلام إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم به جعله في حكم الحادث، و إن كان متقدّم الوجود.
قلنا: يجب على هذا القول أن يكون هبوط الملك به هو العلم الدالّ على النبوّة؛ لأنه الحادث عندها دون ما تقدّم وجوده.
فإن قيل: إذا كان الصرف هو المعجز فالواجب أن يخفى الحالة فيه على فصحاء العرب؛ لأنهم إذا كان يتأتى منهم قبل التحدّي ما تعذر بعده و عند روم المعارضة، فالحال في أنهم منعوا منها جلية ظاهرة، فلا يبقى لهم بعد هذا ريبه في النبوّة و لا شكّ فيها، فكيف لم ينقادوا و أقاموا على دياناتهم و تكذيبهم.
قلنا: لا يبعد أن يعلموا تعذر ما كان متأتيا، و يجوز أن ينسبوه إلى الاتفاق، أو إلى أنه سحرهم، فقد كانوا يرمونه بالسحر، و كانوا يعتقدون[أن]للسحر تأثيرا في أمثال هذه الأمور، و مذاهبهم في السحر و تصديقهم لتأثيراته معروفة، و كذلك الكهانة.
و لو تخلصوا من ذلك كلّه و نسبوا إلى اللّه تعالى جاز أن يدخل عليهم شبهة في أنه فعل للتصديق، و يعتقدوا أنه ما فعله تصديقا، بل لمحنة العباد، كما