نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٢ - سورة البقرة
و ان شئت أن تقول: إنّ اللّه تعالى إنّما خاطب العرب بلغتها و لسانها فقال عزّ من قائل: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [١] ، و قال جلّ اسمه: بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [٢] ، و قال تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ [٣] و ظاهر هذه الآيات كلّها يقتضي أن اسم الإيمان واقع على ما تعهده العرب و تعرفه اسما له.
فإذا قيل: فقد ثبت بعرف الشرع معاني أسماء لم توضع لها في أصل اللغة.
قلنا: في المرجئة من لا يسلّم ذلك، و من سلّمه قال: إنّما علمت ذلك بدليل أخرجته من عموم هذه الآيات، و لا دليل في الإيمان و ما أشبهه ممّا فيه الخلاف.
فإن قيل: هذا يقتضي تسمية كلّ تصديق بأنه إيمان و كلّ مصدّق بأنه مؤمن بلا تقييد؛ فإنّ اللغة هكذا يقتضي، و إذا قلتم: إنّ الإيمان إذا أطلق أفاد التصديق باللّه تعالى و بما أوجب الاعتراف به، و امتنعتم من إطلاقه في غير هذا الموضع و استعملتموه فيه مقيّدا فقد خالفتم اللغة، و لزمكم كلّ ما ألزمتموه مخالفكم من العدول عن ظاهر الآيات الدالّة على أن القرآن عربي و نازل بلغة العرب.
قلنا: عرف الشرع أثر في إطلاق اسم إيمان و مؤمن، و خصّ هذا العرف هذين الاسمين بتصديق مخصوص، و لم ينتقل هذان الإسمان عمّا وضعا له في أصل اللغة على ما يذهب إليه مخالفنا، و إنّما تخصّصا و جرى ذلك مجرى تخصيص العرف لقولنا: «دابّة» و انصرافه إلى بعض ما يدبّ بعد أن كان في أصل الوضع مسمّى به كلّ ما دبّ، و ليس هذا بنقل اللغة و إنّما هو تخصيص.
و لقائل أن يقول: هذا و إن لم يكن نقلا على ما ذكرتم و كان تخصيصا، فهو خلاف مذهب أهل اللغة، و مخرج للقرآن من أن يكون عربيا و بلغتهم و على طريقتهم و مذاهبهم.
و الجواب عن ذلك-إذا لم نضايق في أن النقل هو الّذي يخرجه من اللغة
[١] سورة الزمر، الآية: ٢٨.
[٢] سورة الشعراء، الآية: ١٩٥.
[٣] سورة إبراهيم، الآية: ٤.