نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٤ - سورة البقرة
فإن قيل: فلم جعلتم الاعتبار بما في القلب دون اللسان و إن كانا معا تصديقين؟
قلنا: لأنه لو كان هو ما يجري على اللسان لوجب أن يكون الأخرس و الساكت في حال سكوته لا يوصفان بالإيمان و التصديق، و قد علمنا خلاف ذلك، و لوجب أن يكون من أظهر التصديق بلسانه و فعل كلّ شيء في الكفر، و علمنا اعتقاده للجهل باللّه تعالى و التكذيب بما أوجب معرفته غير كافر، و أن يكون المنافقون الّذين كانوا على عهد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم مؤمنين غير كفّار و ان كانوا مقرّين بألسنتهم و ان جحدوا بقلوبهم، يبيّن ذلك قوله تعالى: إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ [١] فكذبهم مع إظهارهم الشهادة باللسان من حيث لم يكونوا معتقدين بقلوبهم.
فإن قيل: هذا المذهب يقتضي أن يكون السجود للشمس ليس بكفر؛ لأنه ليس بجحود و لا تكذيب، و قد اجتمعت الأمّة على تكفير من سجد للشمس، و وصف فعله بأنه كفر.
قلنا: لا شبهة في وصف من سجد للشمس بأنه كافر، و الإجماع أن سجوده هو الكفر، و كيف يدعى الإجماع في موضع فيه خلاف جميع المرجئة، و نحن نقول فيمن ذكرتموه: إنّه كافر و نقطع على أن معه تكذيبا و جحودا في قلبه، و أنه لا إيمان و لا تصديق في قلبه؛ لأنه لو لم يكن بهذه الصفة لما اجتمعت الأمّة على تكفيره، فنجعل السجود دلالة على ثبوت الجحود و التكذيب في قلبه.
و نظير ذلك رجل شهد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بأنه مستحقّ للذمّ و العقاب، فانا عند معرفتنا بهذه الشهادة نقطع على استحقاقه للذمّ و العقاب، لا لأن الشهادة منه صلى اللّه عليه و آله و سلم هي الموجبة لاستحقاقه الذمّ، لكنّها دلالة على ثبوت ما يقتضي استحقاق الذمّ.
فإن تجوّز بأن يقول: السجود للشمس و ما أشبهها بأنه كفر؛ فإنه سمّى
[١] سورة المنافقون، الآية: ١.