نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤٤ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
اللذان وقع القرآن عليها من غير إشارة إلى تأليف كتأليف الأجسام، و أن يكون تعذّره كتعذّر الشعر على المفحم و الفصاحة على الألكن، و ان كانا قادرين على أجناس الحروف.
و ذلك أنه إذا أردنا ما ذكره[و]فسّره فقد عبّر عنه بغير عبارته؛ لأن الشعر لا يتعذّر على المفحم و الفصاحة على الألكن؛ لأن جنسيهما غير مقدور لهما، و إنّما يتعذّر ذلك منهما لفقد العلم بكيفيّة تقديم الحروف و تأخيرها كما يتعذّر الكتابة على الأمّي لفقد العلم لا لفقد القدرة، فقد لحق مذهب أبي القاسم بالمذهب الأوّل الّذي أبطلناه، و ان كان أخطأ في العبارة عنه.
و وجدت له في كتابه الموسوم بعيون المسائل و الجوابات ما يدلّ على أنه أراد غير ما دلّ لفظه الّذي حكيناه عليه؛ لأنه قال: و احتجّ من ذهب إلى أن نظم القرآن ليس بمعجز عنه إلاّ أن اللّه تعالى أعجز عنه، و أنه لو لم يعجز عنه لكان مقدورا عليه: بأنه حروف جعل بعضها إلى جنب بعض، فإذا قدر الإنسان على أن يقول «الحمد» فهو قادر على أن يقول «الحمد للّه» ، ثمّ كذلك كلّ حرف، ثمّ قال بلخي: يقال له و كذلك قول الشاعر:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل [١]
إنّما هو حروف لا يمتنع على أحد من أهل اللغة أن يأتي بالحرف منها بعد الحرف، فقد كان يجب أن يكون كلّ من قدر على الحروف لا يمتنع عليه الشعر.
و هذا الكلام يدلّ منه على أن تعذر معارضة القرآن هي جهة تعذّر الشعر على المفحم، و الشعر لا يتعذّر من الفحم؛ لأنه مستحيل منه، و لا لفقد قدرته عليه، و إنّما يتعذّر لفقد علمه بكيفيّة نظمه و ترتيبه، فإن ارتكب أن الشعر مستحيل من المفحم و هو قادر عليه فحش خطاؤه، و قيل له: قد يعود المفحم شاعرا، و لو كان الشعر يستحيل منه لما جاز أن يقدر في حال من الأحوال عليه، و قد
[١] البيت لحسان بن ثابت، ديوانه ١/٧٤