نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٤
أراد نائحة عليهم، و مثله قول الشاعر:
هريقى من دموعهم سجاما # ضباع [١] و جاوبي نوحا قياما
و الوجه الثاني: أنّ العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر و الفعل، و عن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ، و قول العرب: إنّما البرّ الذي يصل الرحم و يفعل كذا و كذا، و أمّا إخبارهم عن الاسم بالمصدر و الفعل فمثل قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى # و لكنّما الفتيان كلّ فتى ند [٢]
فجعل «أن تنبت» و هو مصدر خبرا عن الفتيان.
و الوجه الثالث: أن يكون المعنى: و لكن البرّ برّ من آمن؛ فحذف البرّ الثاني، و أقام «من» مقامه؛ كقوله تعالى: وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ [٣] ، أراد: حبّ العجل، قال الشاعر:
و كيف تواصل من أصبحت # خلالته كأبي مرحب [٤]
أراد: كخلالة أبي مرحب؛ و قال النابغة:
و قد خفت حتّى ما تزيد مخافتي # على و عل في ذي المطارة عاقل [٥]
أراد على مخافة وعل. و تقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطريق، أي أهل
[١] ضباع: اسم امرأة؛ و أصله: «ضباعة» .
[٢] البيت للنابغة، و قد مر ذكره في تفسير الآية ١٧٧ من هذه السورة، و انظر ما سبق في تفسيره.
[٣] سورة البقرة، الآية: ٩٣.
[٤] خلالته: مودته، و أبو مرحب كناية عن الظل، و البيت للنابغة الجعدي، و قبله:
و بعض الأخلاّء عند البلا # ء و الرّزء أزوغ من ثعلب
و انظر اللسان (رحب) .
[٥] ديوانه: ٦٤، و معجم البلدان: ٤/٨٤. و ذو المطارة: اسم جبل؛ و عاقل: متحصنو، و في حواشي بعض النسخ: «يمكن أن تجعل «ما» في البيت زيادة، و التقدير: حتى تزيد: و يمكن أن يكون على القلب؛ أي ما تزيد مخافة و عل على مخافتي؛ و هو كثير، و الوعل: الضأن الوحشي» .