نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٣
الموفين؟و كيف و حدّ الكناية في مواضع و جمعها في آخر؟فقال: مَنْ آمَنَ و وَ آتَى اَلْمََالَ و وَ أَقََامَ اَلصَّلاََةَ، ثمّ قال: وَ اَلْمُوفُونَ و وَ اَلصََّابِرِينَ؟.
يقال له: فيما ذكرته أوّلا جوابان:
أحدهما: أنّه أراد تعالى: ليس الصّلاة هي البرّ كلّه؛ لكنّه ما عدّد في الآية من ضروب الطاعات و صنوف الواجبات، فلا تظنّوا أنّكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم، فقد أحرزتم البرّ بأسره، و حزتموه بكماله، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه و أكثره.
و الجواب الثاني: أنّ النّصارى لمّا توجّهوا إلى المشرق، و اليهود إلى بيت المقدس، و اتّخذوا هاتين الجهتين قبلتين، و اعتقدوا في الصلاة إليها أنّهما برّ و طاعة خلافا على الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم أكذبهم اللّه تعالى في ذلك، و بيّن أنّ ذلك ليس من البرّ، إذ كان منسوخا بشريعة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم التي تلزم الأسود و الأبيض، و العربي و العجميّ، و أنّ البرّ هو ما تضمّنته الآية.
فأمّا إخباره «بمن» ففيه وجوه ثلاثة:
أوّلها: أن يكون معنى «البرّ» ههنا البارّ أو ذا البرّ، و جعل أحدهما في مكان الآخر؛ و التقدير: و لكنّ البار من آمن باللّه؛ و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مََاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمََاءٍ مَعِينٍ [١] ، يريد غائرا، و مثل قول الشاعر:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت # فإنّما هي إقبال و إدبار [٢]
أراد أنّها مقبلة مدبرة، و مثله:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم # مقلّدة أعنّتها صفونا [٣]
[١] سورة الملك، الآية: ٣٠.
[٢] البيت للخنساء؛ ديوانها: ٧٨، و الكامل بشرح المرصفي: ٨/١٧٦، و اللسان: ١٩/١٣٥، و تاج العروس: ٧٣/٨، و خزانة الأدب: ١٣٨/١، و هو في وصف بقرة وحشية، و قبله:
فما عجول على بوّ تطيف به # لها حنينان إصغار و إكبار
[٣] البيت لعمرو بن كلثوم؛ من المعلقة-بشرح التبريزي: ٢١٧.