نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٨ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
كلّ بشر و جنّي و ملك، و كلّ قادر من المحدّثين، و سلّم أيضا أنه من فعله تعالى على غاية اقتراحهم، ما المنكر من أن يكون أنزل هذا الكتاب على نبيّ من الأنبياء غير من ظهر من جهته تغلبه عليه و قتله الظاهر من جهته، و ادعى الإعجاز به؟
و لسنا نعرف للقوم جوابا سديدا عن هذا السؤال؛ لأنهم إذا ذكروا الاستفساد و غيره ممّا حكيناه عنهم في جواب سؤال الجنّ، فقد تكلمنا بما فيه كفاية، و إذا قالوا: إن العلم الضروري حاصل بأنه لم يسمع من غيره، أو قالوا:
نعلم ضرورة أن المظهر له لم يأخذه من غيره قلنا: أمّا العلم بأنه لم يأخذ من أحد ظهر على يده و عرفت أخباره و انتشرت، فثابت لا محالة، و هو على خلاف ما تضمنه السؤال؛ لأنه تضمن أنه أخذه ممّن لم يظهر له حال، و لا وقف له على خبر سواه، و كذلك العلم بأنه لم يأخذه من غيره لا بدّ من أن يكون مشروطا بما ذكرناه، و كيف يدعى إطلاقا أنه لم يأخذه من غيره، و هو يذكر أن الملك نزل به عليه، فيجب أن يقولوا: انه لم يؤخذ من أحد من البشر، و إذا فرضنا أن المأخوذ منه ذلك من البشر لم يطلع على حاله سواه لحق البشر في هذا بالملك.
و قد ذكروا في هذا السؤال: أن تجويز ذلك يؤدّي إلى تجويز مثله في سائر المعجزات، قالوا: فإذا قيل لنا: إن باقي المعجزات يعلم حادثه في الحال على وجه يوجب الاختصاص، قلنا: أليس المستدلّ قبل أن ينظر فيعلم حدوثها في الحال يجوز ما ذكرتموه، و تجويزه ذلك منفر له عن النظر فيها.
فالجواب عن هذا الوجه الضعيف: أن تجويز المستدلّ الناظر في المعجزات أن تكون غير حادثة و لا مختصّة، لا يقتضي التنفير عن النظر فيها، و كيف يكون ذلك و يحسن أن كلّ ناظر في علم من أعلام الأنبياء صلى اللّه عليه و آله و سلم يجوز قبل نظره فيه أن يكون مخرقة و شعبذة و لم يقتض ذلك تنفيره عن النظر فيه، بل واجب نظره لثبوت الخوف و تعدم الأمان من أن يكون المدعي صادقا.
فكذلك حكم الناظر في الأعلام مع تجويزه أن يكون غير حادثة و لا مختصّة، و لا يجب أن يكون منفرا عن النظر؛ لأن الخوف الموجب للنظر ثابت مازال.