نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٤ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
و أيضا؛ فإن مدّة مقامه صلى اللّه عليه و آله و سلم بمكّة لم يكن محاربا، فقد كان يجب أن تقع المعارضة في أحواله مدّة مقامه بمكّة، و لو كان الأمر على ما ذكروه أيضا لواقف القوم عليه، و لقالوا: طلبت منا معارضة شغلتنا عنها بالحرب، فلا حجّة لك في امتناع معارضتنا.
و الجواب عن رابع ما تعلقوا به قد مضى، لما بينا أن المعارضة ما وقعت لمنع الخوف من الأنصار و الاتباع من نقلها و إظهارها، و بيّنا في إفساد أن تكون وقعت و لم تظهر للخوف ما هو بعينه مبطل، لكون الخوف مانعا من فعلها، و كلّ خوف ما منع من قود الجيوش إلى حربه، و جمع الجموع في مقام بعد آخر، و ما منع أيضا من الهجاء و الافتراء أو المعارضة بأخبار رستم و اسفنديار، لا يجوز أن يكون مانعا عند عاقل من فعل المعارضة.
فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
اختلف الناس في ذلك، فقال قوم: إن وجه دلالة القرآن على النبوّة أن اللّه تعالى صرف العرب عن معارضته، و سلبهم العلم الّذي به يتمكّنون من مماثلة في نظمه و فصاحته، و لو لا هذا الصرف لعارضوا.
و إلى هذا الوجه أذهب، و له نصرت في كتابي المعروف بـ «الموضح عن جهة إعجاز القرآن» . و قد حكي عن أبي إسحاق النظام القول بالصّرفة من غير تحقيق لكيفيّتها و كلام في نصرتها.
و قال قوم: إن القرآن اختصّ بمزيّة في الفصاحة خرقت العادات، و تجاوزت كلّ غاية أجرى اللّه تعالى العادة أن ينتهي الفصحاء إليها. و ان اختصاص اللّه تعالى له صلى اللّه عليه و آله و سلم إظهاره على يده مع خرقه العادة بفصاحة يدلّ على نبوّته؛ لأن القرآن إن كان من فعله تعالى فهو دليل نبوّته و معجزها، و ان فعل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فلم يتمكّن من فعله مع خرقه للعادة بفصاحته، إلاّ لأن اللّه تعالى فعل فيه علوما