نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٢ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
و إنّما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الإقبال و الإدبار منها [١] .
و يحتج المرتضى لهذا المعنى بقرائن قرآنية متّصلة و أخر منفصلة فيقول:
«و يشهد لهذا التأويل قوله في موضع آخر: وَ كََانَ اَلْإِنْسََانُ عَجُولاً [٢] ، و يطابقه أيضا قوله تعالى: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ، لأنّه وصفهم بكثرة العجلة و أن من شأنهم فعلها، توبيخا لهم و تقريعا، ثمّ نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكّنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال [٣] . و ذهب القرطبي (ت ٦٧١ هـ) إلى هذا المعنى، إذ أنّه حمل الكلام في الآية على المبالغة في الوصف [٤] ، و رفض القول بالقلب، لأنّه-كما يقول- «لا ينبغي أن يجاب به في كتاب اللّه-لأنّ القلب إنّما يقع في الشعر اضطرارا» [٥] .
و يستعين المرتضى بهذا الأسلوب-تفسير القرآن بالقرآن-لدفع شبهة أو إزالة و هم، أو ردّ اعتراض معترض، و يشعرنا منهجه بالحرص على دفع كلّ هذه الشبهات الّتي تتعلّق بلغة القرآن الكريم و تعبيره بصيغة دون أخرى، كما تتعلّق بمعانيه، و قد صاغ المرتضى تلك الإشكالات أو الأوهام على صورة أسئلة يثيرها سائلون، فيجيب عنها بما ينفي الشبهات و يظهر الحقائق، ففي تفسيره لقوله تعالى: وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلىََ حِينٍ [٦] ، يتوقّع سائلا يسأل: كيف خاطب آدم و حوّاء عليهما السّلام بخطاب الجمع و هما اثنان؟و في الجواب يذكر أكثر من وجه منها: أن يكون الخطاب يختصّ آدم و حوّاء عليهما السّلام، و خاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب في ذلك؛ لأن التثنية أوّل الجمع، قال تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اَلْقَوْمِ وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ [٧] ، أراد لحكم داود و سليمان عليهما السّلام... » [٨] .
[١] أمالي المرتضى، ١: ٤٦٥، و ينظر الكشّاف، ٢-٥٧٢: ٥٧٣، و التبيان في إعراب القرآن، ٢:
٩١٨.
[٢] سورة الإسراء، الآية: ١١.
[٣] أمالي المرتضى، ١-٤٦٥: ٤٦٦.
[٤] ينظر الجامع لأحكام القرآن، ١١: ٢٨٨.
[٥] نفسه، ١: ٢٨٨.
[٦] سورة البقرة، الآية: ٣٦.
[٧] سورة الأنبياء، الآية: ٧٨.
[٨] أمالي المرتضى، ١٥٥: ٢، و تنزيه الأنبياء: ١١٣، و ينظر الكتاب، ٢: ٤٨.