نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٣ - الثّامن فصل في ذكر الدّلالة على جواز التعبّد بالعمل بخبر الواحد
و أقوى ما أبطل به قول النّظّام أن الخبر مع الأسباب الّتي يذكرها لو حصل عندها العلم-كما ادّعى-لما جاز انكشافه عن باطل، و قد علمنا أنّ الخبر عن موت إنسان بعينه مع حصول الأسباب الّتي يراعيها من البكاء عليه و الصراخ و إحضار الجنازة و الأكفان قد ينكشف عن باطل، فيقال: إنّه أغمي عليه، أو لحقته السكتة، أو ما أشبه ذلك، و العلم لا يجوز انكشافه عن باطل. و يلزم على هذه الطريقة الفاسدة أن يجوز أن لا يقع العلم بالتواتر لفقد هذه الأسباب، فكنّا نصدّق من خبّرنا بأنّه لا يعلم شيئا بالأخبار بأن لا تكون الأسباب حاصلة. و أمّا إلزام النّظّام أنّه لو أوجب خبر الواحد العلم في موضع، لأوجبه في كلّ موضع، فكان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم يستغني عن علم معجز، و الحاكم متى لم يعلم صدق المدّعي ضرورة، أن يعلم أنّه كاذب، فإنّ ذلك لا يلزمه؛ لأنّ له أن يقول: من أين لكم أن كلّ خبر يجب عنده العلم؟بل لا بدّ من وجوب ذلك عند أمثاله. ثمّ العلم عند النّظّام لا يجب عند مجرّد الخبر، بل عنده و عند أسباب يذكرها، و ليس مثل ذلك في خبر مدّعي النبوّة، و لا في الحاكم.
فأمّا من يقول: إنّه يقتضي العلم الظّاهر فخلافه في عبارة؛ لأنّه سمّى غالب الظّنّ علما.
و أمّا من جعل العلم تابعا للعمل فقوله باطل؛ لأنّه عكس الشيء، و العمل يجب أن يتبع العلم لا أن يتبع العلم العمل، و قد وجب العمل بأخبار كثيرة من غير حصول العلم كالمخوّف من سبع في طريق و الشهادات و غيرها.
[الثّامن]: فصل في ذكر الدّلالة على جواز التعبّد بالعمل بخبر الواحد
إعلم أنّ في المتكلّمين من يذهب إلى أنّ خبر الواحد لا يجوز من جهة العقل ورود العبادة بالعمل به، و الصحيح أنّ ذلك جائز عقلا، و إن كانت العبادة ما وردت به على ما سنبيّنه في الباب الّذي يلي هذا الباب بمشيّة اللّه تعالى. غ