نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣ - المقدمة الأولى الانفتاح السياسي و الاجتماعي للشيعة في عصر السيّد المرتضى
٣-الحزن في يوم عاشوراء لقد ذكرنا سلفا أنّ مراسم العزاء على مقتل الإمام الحسين كانت تجرى بالخفاء (في البيوت) قبل القرن الرابع الهجري لكن و بعد القرن الرابع و خصوصا بعد النصف الثاني من القرن الرابع كانت هذه المراسم تجرى في يوم عاشوراء بشكل علني في الأزقة و الأسواق. فلقد أورد عموم المؤرّخين المسلمين و خصوصا المؤرّخون الّذين كتبوا في وقائع تلك السنوات كيفيّة العزاء الّذي كان يقيمه الشيعة في يوم عاشوراء و منهم ابن الجوزي في كتاب المنتظم و ابن الأثير في كتاب الكامل و ابن كثير في البداية و النهاية و اليافعي في مرآة الجنان و الذهبي و آخرون و ذلك ضمن ذكرهم لوقائع سنة ٣٥٢ و السنوات الّتي تلتها.
قال ابن الجوزي في هذا: أنه في اليوم العاشر من المحرم أغلقت الأسواق ببغداد، و عطل البيع، و لم يذبح القصّابون و لا طبخ الهرّاسون و لا ترك الناس أن يستقوا الماء، و نصبت القباب في الأسواق، و علّقت عليها المسوح، و خرجت النساء منتشرات الشعور يلطمن في الأسواق، و أقيمت النائحة على الحسين عليه السّلام [١] و كتب ابن أثير ضمن سرده لوقائع سنة ٣٥٢: عاشر المحرّم أمر معزّ الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، و يبطلوا الأسواق و البيع و الشراء، و أن يظهروا النياحة، و يلبسوا قبابا عملوها بالمسوح، و أن يخرج النساء منثرات الشعور، مسودات الوجوه و قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، و يلطمن وجوههنّ على الحسين بن عليّ رضى اللّه عنهما ففعل الناس ذلك و لم يكن للسنّة قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة و لأن السلطان معهم. [٢]
و منذ سنة ٣٥٢ إلى أواسط القرن الخامس حيث زال حكم البويهيين كانت تقام هذه المراسم بشكل مستمرّ. و إن صادف عاشوراء «النوروز» أو «مهركان» فإنّ مراسم الاحتفال بهذه الأيّام تؤخّر إلى ما بعده.
[١] المنتظم، ١٤: ١٥.
[٢] الكامل في التاريخ، ٨: ٥٤٩.