نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩٥ - الثاني عشر فصل في جواز نسخ الكتاب بالكتاب و السنّة بالسنّة
الجهات؛ لأنّه من المحال أن تخلو الصلاة من توجّه إلى جهة من الجهات. فإن كانت نسخت بضدّها، كنسخ التوجّه إلى بيت المقدس بالكعبة، فلا شبهة في نسخ الصلاة، ألا ترى أنّه بعد هذا النسخ لو أوقع الصلاة إلى بيت المقدّس على حدّ ما كان يفعله من قبل، لكان لا حكم له، بل وجوده في الشرع كعدمه. و إن كانت القبلة نسخت، فإن حظر عليه التوجّه إلى الجهة المخصوصة الّتي كان يصلّي إليها، و خيّر فيما عداها، فهذا أيضا يقتضي نسخ الصلاة؛ لأنّه لو أوقعها على الحدّ الذي كان يفعلها عليه من قبل، لكانت غير مجزية، فصارت منسوخة على ما اعتبرناه. و إن نسخ وجوب التوجّه إلى القبلة بأن خيّر في جميع الجهات لم يكن ذلك نسخا للصلاة، ألا ترى أنّه لو فعلها على الحدّ الّذي كان يفعلها عليه من قبل لكانت صحيحة مجزية، و إنّما نسخ التّضييق بالتّخيير.
فأمّا صوم شهر رمضان فلا يجوز أن يكون ناسخا لصوم عاشوراء؛ لأنّ الحكمين إنّما يصحّ أن يتناسخا إذا لم يمكن اجتماعهما، و صوم شهر رمضان يجوز أن يجتمع مع صوم عاشوراء، فكيف يكون ناسخا له. و معنى هذا القول أن عند سقوط وجوب صيام عاشوراء أمر بصيام شهر رمضان.
[الثاني عشر]: فصل في جواز نسخ الكتاب بالكتاب و السنّة بالسنّة
إعلم أنّ كلّ دليل أوجب العلم و العمل فجائز النسخ به، و هذا حكم الكتاب مع الكتاب، و السنّة المقطوع بها مع السنّة المقطوع بها فلا خلاف في ذلك.
و إنّما الخلاف في نسخ الكتاب بالسنّة المقطوع بها، و نسخ السنّة بالكتاب، و سيأتي الكلام على ذلك بإذن اللّه تعالى.
فأمّا السنّة الّتي لا يقطع بها؛ فالكلام في نسخ بعضها ببعض مبنيّ على وجوب العمل بأخبار الآحاد: فمن عمل بها في الشريعة، نسخ بعضها ببعض.