نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٢ - السادس فصل في أن تعليق الحكم بصفة لا يدلّ على انتفائه بانتفائها
و ينوب عنه شرط آخر يجري مجراه، و لا يخرج من أن يكون شرطا، ألا ترى أن قوله تعالى: وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ [١] إنّما منع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضمّ إليه الآخر، فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول، ثمّ يعلم أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل يقوم مقام الثاني، ثمّ يعلم بدليل أنّ ضمّ اليمين إلى الشاهد الواحد يقوم مقام الثاني، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن يحصى.
و الصحيح أنّ الحكم إذا علّق بغاية أو عدد، فإنّه لا يدلّ بنفسه على أنّ ما عداه بخلافه؛ لأنّا إنّما نعلم أن ما زاد على الثمانين في حد القاذف لا يجوز؛ لأنّ ما زاد على ذلك محظور بالعقل، فإذا وردت العبادة بعدد مخصوص خرجنا عن الحظر بدلالة، و بقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم الأصل، و هو الحظر و كذلك إذا قال الرجل لغلامه: «اعط زيدا مائة درهم» فإنّا نعلم حظر الزائد على المذكور بالأصل. و لو قال: «أعطيت فلانا مائة درهم» ؛ لم يدلّ لفظا و لا عقلا على أنّه لم يعطه أكثر من ذلك. فأمّا تعليق الحكم بغاية فإنّما يدلّ على ثبوته إلى تلك الغاية، و ما بعدها يعلم انتفاؤه أو إثباته بدليل. و إنّما علمنا في قوله: وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ [٢] ، و قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيََامَ إِلَى اَللَّيْلِ [٣] ، و قوله سبحانه: حَتََّى يَطْهُرْنَ [٤] أن ما بعد الغاية بخلافها بدليل، و ما يعلم بدليل غير ما يدلّ اللفظ عليه، كما نعلم أنّ ما عدا السائمة بخلافها في الزكاة، و إنّما علمناه بدليل.
و من فرق بين تعليق الحكم بصفة و بين تعليقه بغاية ليس معه إلاّ الدعوى، و هو كالمناقض، لفرقه بين أمرين لا فرق بينهما.
فإذا قال: فأيّ معنى لقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيََامَ إِلَى اَللَّيْلِ إذا كان ما بعد اللّيل يجوز ان يكون فيه الصوم.
[١] سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
[٢] سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
[٣] سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
[٤] سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.