نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٦
و الضّنّ به، و أنّ العطيّة تكون أشرف و أمدح، فما الفائدة فيما ذكرتموه؟و ما معنى محبّة اللّه، و المحبّة عندكم هي الإرادة، و القديم تعالى لا يصحّ أن يراد؟
قلنا: أمّا المحبّة عندنا فهي الإرادة، إلاّ أنهم يستعملونها كثيرا مع حذف متعلّقها مجازا و توسعا، فيقولون: فلان يحب زيدا، إذا أراد منافعه، و لا يقولون: زيد يريد عمرا؛ بمعنى أنّه يريد منافعة، لأنّ التعارف جرى في استعمال الحذف و الاختصار في المحبّة دون الإرادة، و إن كان المعنى واحدا.
و قد ذكر أنّ لقولهم: زيد يحب عمرا مزية على قولهم: يريد منافعه، لأنّ اللفظ الأوّل ينبىء عن أنّه لا يريد إلاّ منافعه، و أنّه لا يريد شيئا من مضارّه، و الثاني لا يدلّ على ذلك، فجعلت له مزية؛ و على هذا المعنى نصف اللّه بأنّه يحب أولياءه المؤمنين من عباده؛ و المعنى فيه أنّه يريد لهم ضروب الخير، من التعظيم و الإجلال و النعم؛ فأمّا وصف أحدنا بأنّه يحبّ اللّه فالمعنى فيه أنّه يريد تعظيمه و عبادته و القيام بطاعته، و لا يصحّ المعنى الذي ذكرناه في محبّة بعضهم بعضا؛ لاستحالة المنافع عليه. و من جوّز عليه تعالى الانتفاع لا يصحّ أيضا أن يكون محبّا له على هذا المعنى، لأنّه باعتقاده ذلك فيه قد خرج من أن يكون عارفا به، فمحبّته في الحقيقة لا تتعلّق به و لا تتوجّه إليه؛ كما تقول في أصحاب التشبيه: إنّهم إذا عبدوا من اعتقدوه إلها فقد عبدوا غيره اللّه تعالى.
فأمّا الفائدة في إعطاء المال مع محبّة اللّه فهي ظاهرة؛ لأنّ إعطاء المال متى قارنته إرادة وجه اللّه و عبادته و طاعته استحقّ به الثواب، و متى لم يقترن به ذلك لم يستحقّ الفاعل به ثوابا، و كان ضائعا. و تأثير ما ذكرناه أبلغ من تأثير حبّ المال و الضّنّ به؛ لأنّ المحبّ للمال الضنين به متى بذله و أعطاه، و لم يقصد به الطاعة و العبادة و القربة لم يستحقّ به شيئا من الثواب؛ و إنّما يؤثّر حبّه للمال في زيادة الثواب، متى حصل ما ذكرناه من قصد القربة و العبادة، و لو تقرّب بالعطية، و هو غير ضنين بالمال، و لا محبّ له لاستحقّ الثواب. و هذا الوجه لم نسبق إليه في هذه الآية، و هو أحسن ما قيل فيها.