نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٤ - سورة البقرة
[إن سأل سائل]فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى؛ و هو ممّا لا يجوز في الحقيقة عليه؟و كيف خبّر[بأنهم في الطّغيان و العمه]و ذلك بخلاف مذهبكم؟.
الجواب: قلنا: في قوله تعالى اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وجوه:
أوّلها: أن يكون معنى الاستهزاء الذي أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم و تخطئته إيّاهم في إقامتهم على الكفر و إصرارهم على الضلال؛ و سمّى اللّه تعالى ذلك استهزاء مجازا و تشبيها؛ كما يقول القائل: إنّ فلانا ليستهزأ به منذ اليوم، إذا فعل فعلا عابه الناس به، و خطّؤه فيه فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل، و إزراؤهم على فاعله مقام الاستهزاء به؛ و إنّما أقيم مقامه لتقارب ما بينهما في المعنى؛ لأنّ الاستهزاء الحقيقي هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به، و الإزراء عليه، و إذا تضمّنت التخطئة و التجهيل و التبكيت هذا المعنى جاز أن يجرى عليه اسم الاستهزاء؛ و يشهد بذلك قوله تعالى: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ أَنْ إِذََا سَمِعْتُمْ آيََاتِ اَللََّهِ يُكْفَرُ بِهََا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهََا [١] ؛ و نحن نعلم أنّ الآيات لا يصحّ عليها الاستهزاء و لا السخريّة؛ و إنّما المعنى: إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها و يزرى عليها؛ و العرب قد تقيم الشيء مقام ما قاربه في معناه، فتجري اسمه عليه؛ قال الشاعر:
كم من أناس في نعيم عمّروا # في ذرى ملك تعالى فبسق
سكت الدّهر زمانا عنهم # ثمّ أبكاهم دما حين نطق
و السكوت و النطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر؛ و إنّما شبّه تركه الحال على ما هي عليه بالسكوت، و شبّه تغييره لها بالنطق. و أنشد الفرّاء:
إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل # لزمان يهمّ بالإحسان
و مثل ذلك في الاستعارة لتقارب المعنى قوله:
[١] سورة النساء، الآية: ٤٠.