نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٦ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
من الاستعانة بغيره، و يسدّ باب كلّ حيلة يتمّ معها الاستعانة بالغير، فالجنّي في هذا الباب كالإنسي، إذا كنّا قد بيّنا أنه لا بدّ من أن يكون كثيفا مدركا.
فأمّا إبدال ميّت بحيّ أو احضار جسم من بعيد، فليس يجوز أن يتمكّن منه أيضا إلاّ من له قدر تحتاج إلى بنية كثيفة يتناولها الرؤية.
و أكثر ما يمكن أن يقال: جوّزوا أن يكون الحيّ الّذي أبدلها الجنّي بميّت من أصغر الحيوان جثّة كالذرّة و البعوضة.
و الجواب عن ذلك: أن أقلّ الأحوال أن يكون حامل هذا الحيوان مكافئا له القدر، و يجب تساويها في الجثّة و الكثافة، فيجب رؤيته و لا يخفى حاله.
و بعد، فإن فرضنا أن رؤية هذا الحامل غير واجبة، فلا بدّ من أن يكون ما يحمله و ينقله مرئيا متميّزا، و إلاّ لم يفرق بين حضوره و غيبته، و ما هذه حاله لا يخفى على الحاضرين حاله، و لا بدّ من أن يدركوه و يفطنوا بحاله و يتنبهوا على وجه الجملة فيه.
و يلحق هذا الوجه بالأوّل في مساواة الجنّ و البشر في الاعتبار عليهم و الامتحان، و لهذا نجد كثيرا من المشعبذين و أصحاب الحقّة يستترون جسما و يظهرون آخر، و يبدلون ميّتا بحيّ و صغيرا بكبيره، و إذا اعتبر عليهم المحصّلون ظهروا على مظانّ حيلهم و وجوهها، و لا بدّ في مدّعي النبوّة من أن يأمن فيه ما جوّزناه في المشعبذ، و ليس يحصل الأمران إلاّ بصادق البحث و قوى الامتحان.
و ممّا أجاب به القوم عن سؤال الجنّ: أن القرآن لو كان من فعل الجنّ لوافقت العرب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم على ذلك، و لقالت له: ليس في عجزنا عن مقابلتك دليل على نبوّتك؛ لأنه جائز أن يكون الجنّ ألقته إليك.
و هذا من ضعيف التعلّل؛ لأنه ليس بواجب أن تعرف العرب هذا القدح و لا تهتدي إلى هذه الشبهة، و كم أورد المبطلون في القرآن من الشبهات التي لم تخطر للعرب ببال، و لا رأينا أحدا من المتكلّمين و المحصّلين جعل جواب هذه الشبهة أنها لو كانت صحيحة لواقف عليها العرب، و إنّما تحيل على العرب