نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٦١
قال اللّه تعالى: فَلاََ رَفَثَ وَ لاََ فُسُوقَ وَ لاََ جِدََالَ فِي اَلْحَجِّ [١] و لم يرد أنّ الرفث في غير الحج لا يكون رفثا و لا محرما، و كذلك الفسوق. و إنّما أراد بذلك تغليظ تحريمه و النهي عنه.
و من شأن أهل اللغة إذا أكّدوا تحريم شيء، أدخلوا فيه لفظ النفي، لينبىء عن تحقيق التحريم و تأكيده و تغليظه، كما أنّ في مقابلة ذلك إذا أرادوا أن يؤكّدوا و يغلظوا الايجاب، استعملوا فيه لفظ الخبر و الاثبات. كما قال اللّه تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً [٢] و إنّما أكّد بذلك وجوب أمانه، و كان هذا القول آكد من أن يقول: فآمنوا من دخله و لا تخيفوه.
و كذلك قوله عليه السّلام: «العارية مردودة، و الزعيم غارم» و إنّما المراد به أنّه يجب ردّ العارية، و غرامة الزعيم الذي هو الضامن، و أخرج الكلام مخرج الخبر للتأكيد و التغليظ، فهذا في باب الايجاب نظير ما ذكرنا في باب الحظر و التحريم.
فإن قيل: فأيّ فائدة في تخصيص هذه المواضع نفي الربا فيها مع ارادة التحريم و التغليظ. و الربا محرّم بين كلّ أحد و في كلّ موضع.
قلنا: في تخصيص بعض هذه المواضع بالذكر ممّا يدلّ على أنّ غيرها ممّا لم يذكر، بخلافها. و هذا مذهب قد اختلف فيه أصحاب أصول الفقه، و الصحيح ما ذكرناه. و مع هذا فغير ممتنع أن يكون للتخصيص فائدة.
أمّا الوالد و ولده و الحرمة بينهما عظيمة متأكّدة، فما حظر بين غيرهما و قبح في الشريعة، فهو المحرّمة بينهما أقبح و أشد حظرا. و كذلك الزوج و زوجته، فيكون لهذا المعنى وقع التخصيص للذكر.
و أمّا الذمي و المسلم فيمكن أن يكون وجه تخصيصها هو أنّ الشريعة قد أباحت-لفضل الإسلام و شرفه على سائر الملل-أن يرث المسلم الذمّي و الكافر و ان لم يرث الذمي المسلم. و ثبت حق الشفعة للمسلم على الذمّي، و لا
[١] سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
[٢] سورة آل عمران، الآية: ٩٧.