نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩ - المقدمة الثانية المذاهب العلميّة في عصر السيّد المرتضى
١-المذاهب العلمية في بغداد: لقد كانت الغالبية في بغداد أيّام السيّد المرتضى تعمل وفق المذاهب السنية فقهيّا و كان المذهب الحنبلي المذهب الأكثر اتّباعا من بين هذه المذاهب فيما كان الفكر العقائدي المتّبع في بغداد هو الفكر المعتزلي.
لقد تكوّنت المدارس الفقهية السنية على أساس القرآن و الأخبار الّتي وردت عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و كذا الإجماع فيما كانت بعض المذاهب تضيف إليها القياس و الاستحسان كمنهج للاستنباط الفقهي. لكن المناهج الكلاميّة كانت تنقسم إلى قسمين مهمّين هما المعتزلة و الأشاعرة و الّذين كان لكلّ منهم اعتقاداته الخاصّة [١] .
و كانت المعتزلة تشدّد في اعتمادها العدل، و العقل، و الاستطاعة (الاختيار و الحكمة) لتعليل أفعال الباري بكونها ذات أغراض و في مقابل هذا المنحى كان هناك الأشاعرة الّذين يقفون بشدّة بوجه هذا التوجّه الّذي كانت تعتمده المعتزلة، فقد رفض الأشاعرة المستقلاّت العقليّة و كانوا يعتقدون بالحسن و القبح الشرعي و كان تفسيرهم للتوحيد الأفعالي السبب في قبول الجبر في أفعال العباد و إنكار وجود تعليل لأفعال الباري [٢] .
لقد أطلق على المعتزلة «العدليّة» و لم تكن هذه الكلمة ممثّلة للعدل و حسب، فإضافة لمفهوم العدل الّذي كانت تتبناه المعتزلة كان يفهم منها العقائد المذكورة أعلاه.
إنّ ما كان يورده الأشاعرة على المعتزلة هو كون أصل العدل يتنافي مع التوحيد الأفعالي بل يتنافي مع التوحيد الذاتي؛ لأنّ الاختيار عند المعتزلة هو نوع تفويض أي سلب الاختيار عن ذات الحقّ.
[١] لقد كانت هناك مدارس أخرى مثل الماتريدية، و الأباظيّة و الصوفيّة و... في ذلك العصر. لكن المذهبين الأشعري و المعتزلي كانا يمثلان المذهبين المهمين في تلك الفترة.
[٢] راجع لتفصيل الأقوال إلى كتاب الملل و النحل، للعلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني.