نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٤١ - الأوّل اختلف الناس في هذه المسألة فقال أكثر المتكلّمين و جميع الفقهاء
علم اللّه سبحانه أنّه لا يفعل القبيح منفردا و لا مجتمعا، و أنّه لو انفرد لكان قوله الحجّة، و إنّما نفتي بأنّ قول الجماعة الّتي قوله فيها و موافق لها حجّة لأجل قوله، لا لشيء يرجع إلى الاجتماع معهم، و لا يتعلّق بهم. و من خالفنا يعلّل مذهبه بأنّ اللّه تعالى علم أنّ جميع هذه الأمّة لا تتّفق على خطأ، و إن جاز الخطأ على كلّ واحد منها بانفراده، فللإجماع تأثير بخلاف قولنا أنّه لا تأثير له. فأمّا نحن فنستدلّ على صحّة الإجماع و كونه حجّة في كلّ عصر بأنّ العقل قد دلّ على أنّه لا بدّ في كلّ زمان من إمام معصوم، لكون ذلك لطفا في التّكليف العقليّ- و هذا مذكور مستقصى في كتب الإمامة، فلا معنى للتعرّض له هيهنا [١] -و ثبوت هذه الجملة يقتضي أن الإجماع في كلّ عصر حجّة، و هذه الطريقة من الاستدلال لا توافق مذاهب مخالفينا؛ لأنّ الأصل الّذي بنينا عليه هم يخالفون فيه، و لو تجاوزوا عنه لكان ثبوت الحجّة بالإجماع على هذا الوجه ينافي مذاهبهم في أنّ لإجماع الأمّة تأثيرا في كونه حجّة، و أنّ بعضهم في هذا الحكم بخلاف كلّهم.
فأمّا ما يستدلّون هم به على كون الإجماع حجّة فإنّما نطعن فيه نحن؛ لأنّه لا يدلّ على ما ادّعوه، و لو دلّ على ذلك لم يضرّنا، و لا ينافي مذهبنا؛ لأنّ شهادة القرائن أو الآيات بأنّ الأمّة لا تجتمع على ضلال، نحن نقول بفحواه و معناه و ليس في الشهادة بذلك تعليل ينافي مذهبنا، كما كان ذلك في تعليل قولنا: إنّ الاجماع حجّة و استدلالنا عليه، فبان بهذا الشرح الّذي أطلناه هيهنا ما يحتاج إليه في هذا الباب، و إذا كنّا قد دللنا على كيفيّة كون الإجماع حجّة على مذهبنا، فينبغي أن نعطف إلى ما تعلّق به مخالفونا فنورده، ثمّ نتكلّم عليه، و نحن لذلك فاعلون.
[١] راجع الشافي، ١: ٤٧.