نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١١ - الرابع فصل في صفة العلم الواقع عند الاخبار
فعل اللّه تعالى عنده العلم الضروريّ لم يسبق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد نفي موجب الخبر؛ لأنّ هذا العلم إذا كان مستندا إلى العادة و ليس بموجب عن سبب، جاز في شروطه النقصان و الزيادة بحسب ما يعلم اللّه تعالى من المصلحة.
و إنّما احتجنا إلى هذا الشرط لئلاّ يقال لنا: أيّ فرق بين خبر البلدان و الأخبار الواردة بمعجزات النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم سوى القرآن، كحنين الجذع [١] و انشقاق القمر [٢] و تسبيح الحصى [٣] و ما أشبه ذلك؟!. و أيّ فرق أيضا بين أخبار البلدان و خبر النص الجليّ على أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام الّذي تنفرد الإماميّة بنقله؟! و ألاّ أجزتم أن يكون العلم بذلك كلّه ضروريّا كما أجزتموه في أخبار البلدان؟! و غير ممتنع أن يكن السبق إلى الاعتقاد مانعا من فعل العلم الضروريّ بالعادة، كما أنّ السبق إلى الاعتقاد بخلاف ما يولده النظر عند أكثر مخالفينا مانع من توليد النظر للعلم، فإذا جاز ذلك فيما هو سبب موجب، فأولى أن يجوز فيما طريقه العادة.
و ليس لأحد أن يقول: فيجب على هذا أن لا يفعل العلم لمن سبق إلى اعتقاد نفي المعلوم، و يفعل لمن لم يسبق، و كان يجب أن يكون العلم الضروريّ حاصلا لجماعة المسلمين لما ذكرناه من المعجزات، و كان يجب أيضا أن يكون الإماميّة عالمة بالنصّ ضرورة.
و ذلك أنّه يمكن أن نقول: إنّ المعلوم في نفسه إذا كان من باب ما يمكن السبق إلى اعتقاد نفيه إمّا لشبهة أو تقليد، لم يجر اللّه العادة بفعل العلم الضروريّ به، و إن كان ممّا لا يجوز أن يدعو العقلاء داع إلى اعتقاد نفيه، و لا يعترض شبهة في مثله، كالخبر عن البلدان؛ جاز أن يكون العلم به ضروريّا و واقعا عند الخبر بالعادة.
و ليس لهم أن يقولوا: فأجيزوا أن يكون في العقلاء المخالطين لنا السامعين
[١] راجع سنن الدارمي، ١: ١٦.
[٢] راجع صحيح البخاري، ٤: ١٨٦.
[٣] فتح الباري، ٦: ٤٣٣.