نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥١٩
[إن سأل سائل]فقال: كيف يصحّ القول بأنّها رجعت و هي لم تخرج عن يده؟
الجواب: قلنا قد ذكر في ذلك وجوه:
أوّلها: أنّ الناس في دار المحنة و التكليف قد يغترّ بعضهم ببعض، و يعتقدون فيهم أنّهم يملكون جرّ المنافع إليهم و صرف المضارّ عنهم، و قد تدخل عليهم الشّبه لتقصيرهم في النظر، و عدو لهم عن وجهه و طريقه، فيعبد قوم الأصنام و غيرها من المعبودات الجامدة الهامدة التي لا تسمع و لا تبصر، و يعبد آخرون البشر، و يجعلونهم شركاء للّه تعالى في استحقاق العبادة؛ و يضيف كلّ هؤلاء أفعال اللّه عزّ و جلّ فيهم إلى غيره، فإذا جاءت الآخرة، و انكشف الغطاء و اضطرّوا إلى المعارف زال ما كانوا عليه في الدنيا من الضلال و اعتقاد الباطل، و أيقن الكلّ أنّه لا خالق و لا رزاق و لا ضارّ و لا نافع غير اللّه فردوا إليه أمورهم، و انقطعت آمالهم من غيره، و علموا أنّ الذي كانوا عليه من عبادة غيره، و تأميله للضّرّ و النفع غرور و زور، فقال اللّه تعالى: وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ لهذا المعنى.
و الوجه الثاني: أن يكون معنى الآية في الأمور أنّ الأمور كلّها للّه تعالى، و في يده و قبضته من غير خروج و رجوع حقيقيّ؛ و قد تقول العرب: «قد رجع عليّ من فلان مكروه» بمعنى صار إليّ منه؛ و لم يكن سبق إليّ قبل هذا الوقت، و كذلك يقولون: «قد عاد عليّ من زيد كذا و كذا» و إن وقع منه على سبيل الابتداء، قال الشاعر:
و إن تكن الأيّام أحسنّ مرّة # إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
أي صارت لها ذنوب لم تكن من قبل؛ بل كان قبلها إحسان فحمل الآية على هذا المعنى شائع جائز تشهد له اللغة.
و الوجه الثالث: أنّا قد علمنا أنّ اللّه تعالى قد ملّك العباد في دار التكليف أمورا تنقطع بانقطاع التكليف، و إفضاء الأمر إلى الدار الآخرة، مثل ما ملّكه الموالي من العبيد، و ما ملّكه الحكام من الحكم و غير ذلك؛ فيجوز أن يريد اللّه تعالى برجوع الأمر إليه انتهاء ما ذكرناه من الأمور التي يملكها غيره بتمليكه إلى أن يكون هو وحده مالكها و مدبّرها. غ