نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٥ - سورة البقرة
الدلالة باسم المدلول عليه للتجاوز بينهما، و قد يتجوّز بأن يقال فيمن شهد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بالعقاب: ان الشهادة اقتضت عقابه، و إنّما هي دلالة على المقتضي للعقاب على الحقيقة، فأقام الدلالة مقام المدلول، و لهذه المسألة نظائر يسألوننا عنها.
و الجواب عن الجميع واحد لا يختلف، مثل قولهم: خبرّونا عن رجل صدّق باللّه تعالى و برسوله صلى اللّه عليه و آله و سلم، و بأكثر ما نزل من القرآن، ثمّ كذّب بآية واحدة من جملته، أليس يجب على قولكم أن يكون مؤمنا بما تقدّم من إيمانه كافرا بردّ الآية؛ لأن ما تقدّم من الإيمان ليس ينتفي بردّ الآية، و ردّ الآية كفر بالإجماع؟
و مثل قولهم: قد يجوز أن يكون بعض من آمن بعيسى عليه السّلام يبقى إلى حال بعثة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم، و يجوز أن يكذّبه عليه السّلام، و هذا يقتضي أن يكون مؤمنا كافرا.
فإذا قلتم: متى جحد نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم فلا بدّ من أن يكون جاحدا بعيسى عليه السّلام، و قيل لكم: و لم يجب ذلك و الأدلّة مختلفة، و قد يجوز أن يستدلّ ببعضها و يعلم به من يشتبه عليه الآخر؟
و جوابنا عن جميع ذلك ما أشرنا إلى الطريقة فيه؛ لأن الرادّ للآية إذا علمناه كافرا بالإجماع علمنا به أنه لا إيمان معه، و أن الّذي تقدّم من إظهار ما أظهره ليس بإيمان على الحقيقة، و كذلك المكذّب بنبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم إذا علمناه فاعلا للكفر بهذا التكذيب دلّنا ذلك على أن الإيمان لم يقع منه في حال من الأحوال.
و ممّا استدلّت به المرجئة متعلّقا على أن الطاعات ليست بإيمان قولهم:
لو كانت كلّ طاعة إيمان أو بعض الإيمان لكانت كلّ معصية كفرا أو بعض الكفر، و لو كان كلّ ما أمر اللّه تعالى به إيمانا لكان كلّ ما نهى عنه كفرا، و لو جاز أن يكون من الإيمان ما ليس تركه كفرا لجاز أن يكون من الكفر ما ليس تركه إيمانا.
و قالوا أيضا: لو كانت الطاعات كلّها أيمانا لم يكن لأحد من البشر كامل الإيمان و الأنبياء صلوات اللّه عليهم؛ لأنهم لم يستكملوا جميع الطاعات، ـ