نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٦ - الحادي عشر فصل في تخصيص العموم بالقياس
العلم، فما خصّصنا معلوما إلاّ بمعلوم، و لا اعتبار بطريق هذا العلم، كان ظنّا أو غيره.
و من أقوى ما احتجّ به من نفي تخصيص العموم بالقياس أنّه لا خلاف بين مثبتيه في أن الشّرط في استعماله الضرورة إليه، و سلامته من أن تكون الظّواهر دافعة له، و هذا الشرط يمنع من تخصيص الكتاب و السنّة المعلومة المقطوع عليها به.
و وجدت بعض من خالف في ذلك يقدح في هذه الطريقة، بأن يقول: إذا خصّصنا العموم بالقياس، فقد استعملناه فيما لا نصّ فيه يخالفه، و إنّما يدفع النصّ القياس إذا كان المراد بذلك النصّ معلوما، فأمّا ما يتناول اللّفظ في الظّاهر لا يكون دافعا، فإن أردتم الأوّل، فهو مسلّم، و لا يمنع من التخصيص بالقياس، و إن أردتم الثاني، فغير مسلّم، و هو موضع الخلاف.
و هذا ليس بصحيح؛ لأنّ مراد اللّه تعالى إنّما يعلم بخطابه، فإذا كان ظاهر خطابه ينافي القياس، فقد زال الشّرط في صحّة القياس، فكيف السبيل إلى العلم بمراده إلاّ من جهة خطابه.
و بعد، فمعلوم بغير شبهة ان للقياس في تخصيص العموم شرطا ليس هو للدليل العقليّ، و لا للسنّة المقطوع عليها، و قد بيّنّا أنّا نترك ظاهر الكتاب و نخص عمومه بدليل العقل، و السنّة المعلومة، و الإجماع، فيجب مع هبوط درجة القياس عنها ألاّ ندع به ظاهر العموم، و أن نكتفي في الدفع له بتناول ظاهر الكتاب بخلاف موجبه، حتّى يكون القياس بخلاف الأدلّة القاطعة.
و ليس يمكن أن يدّعوا أنّ الفرق بين القياس و غيره من الأدلّة القاطعة أنّ القياس لا يستعمل مع العلم بأنّ مراد اللّه تعالى بخطابه خلافه.
قلنا: و لا شيء من الأدلّة يستعمل مع ذلك.
فإذا قيل ما عدا القياس من الأدلّة يمنع من أن يعلم من مراد اللّه خلافها؛ لأنّ ذلك يقتضي تعارض الأدلّة و تناقضها، و هذا جائز في القياس.