نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٩ - الثاني فصل في الفرق بين البداء و النسخ و التخصيص
[الثاني]: فصل في الفرق بين البداء و النسخ و التخصيص
اعلم أنّ البداء في وضع اللّغة هو الظهور، و إنّما يقال: «بدا لفلان في كذا» إذا ظهر له من علم أو ظنّ ما لم يكن ظاهرا.
و للبداء شرائط، و هي أربعة: أن يكون الفعل المأمور به واحدا، و المكلّف واحدا، و الوجه كذلك، و الوقت كذلك، فما اختصّ بهذه الوجوه الأربعة من أمر بعد نهى، أو نهى بعد أمر؛ اقتضى البداء.
و إنّما قلنا: إنّ ذلك يدلّ على البداء؛ لأنّه لا وجه له إلاّ تغيّر حال المكلّف في العلم أو الظنّ، لأنّه لو كانت حاله على ما كانت عليه؛ لما أمر بنفس ما نهى عنه، أو نهى عن نفس ما أمر به مع باقي الشرائط، و كان أبو هاشم يمنع في اللّه تعالى أن يأمر بما نهى عنه مع باقي الشرائط لوجهين: أحدهما: أنه دلالة البداء، و الآخر: أنّه يقتضي إضافة قبيح إليه تعالى إمّا الأمر، أو النهي، و هو أحد قولي أبي عليّ. و القول الآخر له: أنّه يمنع من وقوعه منه تعالى للوجه الأخير الّذي ذكرناه، من اقتضائه إضافة قبيح إليه تعالى؛ لأنّ البداء لا يتصوّر فيمن هو عالم بنفسه.
و الأولى أن يمنع منه للوجهين؛ لأنّ ما من شأنه أن يدلّ على أمر من الأمور [يجب]ألاّ يختاره القديم تعالى مع فقد مدلوله؛ لأنّ ذلك يجري مجرى فعل قبيح، ألا ترى أنّ فعله تعالى ما يطابق اقتراح الطالب لتصديقه، لمّا كان دلالة التصديق لم يجز أن يفعله من الكذّاب؛ لأنّه يدلّ على خلاف ما الحال عليه.
و النسخ إنّما يخالف البداء بتغاير الفعلين؛ فإنّ فعل المأمور به غير المنهيّ عنه. و إذا تغاير الفعلان، فلا بدّ من تغاير الوقتين. فكان النسخ يخالف البداء بتغاير الفعلين و الوقتين.
و أما الفرق بين النسخ و التخصيص، فقد مضى فيما تقدّم، فلا وجه لإعادته.