نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٤ - العاشر فصل في التخصيص بأخبار الآحاد
بمشيّة اللّه تعالى إذا انتهينا إلى الكلام في الأخبار على أنّ اللّه تعالى ما تعبّدنا بالعمل بأخبار الآحاد في الشّرع، فبطل التّخصيص بها لما ذكرناه، و لا شبهة في أنّ تخصيص العموم بأخبار الآحاد فرع على القول بالعمل بأخبار الآحاد.
على أنّا لو سلّمنا أن العمل بها لا على وجه التّخصيص واجب قد ورد الشّرع به، لم يكن في ذلك دلالة على جواز التخصيص بها؛ لأنّ إثبات العبادة بالعمل في موضع لا يقتضي تجاوزه إلى غيره، ألا ترى أنّهم لم ينسخوا بها و إن علموا بها في غير النسخ، و كذلك يجوز ثبوت العمل بها في غير التخصيص و إن لم يثبت التخصيص، لاختلاف الموضعين؛ لأنّ خبر الواحد ليس بحجّة من جهة العقل، و إنّما كان حجّة عند من ذهب إلى ذلك بالشّرع، فغير ممتنع الاختصاص في ذلك.
و اعلم أن شبهة من أحال التّعبّد بالعمل بخبر الواحد في تخصيص أو غيره الّتي عليها المدار و منها يتفرّع جميع الشبه أنّ العموم طريقه العلم، فلا يجوز أن يخصّ بما طريق إثباته غالب الظّنّ، و الّذي يفسد أصل هذه الشبهة أنّ التعبّد إذا ورد بقبول خبر الواحد في تخصيص أو غيره، فطريق هذه العبادة العلم، دون الظّنّ، فإنّما خصّصنا معلوما بمعلوم، و أدلّة العقول شاهدة بذلك، و سنشبع هذا في الكلام على نفي جواز العبادة بخبر الواحد عقلا عند الانتهاء إليه بعون اللّه.
و بعد؛ فلا خلاف بين الفقهاء في جواز الرجوع إلى أخبار الآحاد في الاسم العامّ، فما الّذي يمنع من الرجوع إليها في الحكم المعلّق بالاسم، ألا ترى أنّا عند الاختلاف نثبت الأسماء بالرّجوع إلى أهل اللّغة، فما الّذي يمنع من الرّجوع إلى الآحاد في تخصيص الأحكام.
و أمّا من جوّز التّخصيص بأخبار الآحاد بشرط دخول التخصيص قبل ذلك، أو بشرط سلامة الحقيقة، فشبهته في ذلك أنّ التخصيص يصيّر اللّفظ مجازا، و قد بيّنّا أنّ الأمر بخلاف ذلك [١] .
[١] الذريعة، ١: ٢٨٠.