نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١٠ - الرابع فصل في صفة العلم الواقع عند الاخبار
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلا: إنّ طريق اكتساب العلم بالفرق بين الجماعة الّتي لا يجوز أن تكذب في خبرها و بين من يجوز ذلك عليه قريب سهل لا يحتاج فيه إلى دقيق النظر و لطيف الاستدلال، و كلّ عاقل يعرف بالعادات الفرق بين الجماعة الّتي تقضي العادات بامتناع الكذب عليها فيما ترويه و بين من ليس كذلك، و المنافع الدنيويّة من التجارات و وجوه التصرّفات مبنيّة على حصول هذا الفرق؛ لأنّه مستند إلى العادة، و التأمّل اليسير كاف فيه، و الدّواعي إلى حصوله قويّة، لاستناد المعاملات كلّها إليه فلا يجب في العامّة و من ليس من أهل التدقيق أن لا يعلموا مخبر هذه الأخبار.
و يقال لهم فيما تعلّقوا به ثانيا: غير مسلّم لكم ما حدّدتم به العلم الضروريّ، و ما تنكرون أن يكون حدّه ما فعله فينا من هو أقدر منّا على وجه لا يتمكّن من دفعه، فلا ينبغي أن تجعلوا ما تفرّدتم به من الحدّ دليلا على موضع الخلاف.
و يقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثا: إنّ العلم بالفرق بين صفة الجماعة الّتي لا يجوز عليها الكذب و يمتنع التواطؤ فيها للعقلاء كالملجئين عند كمال عقولهم و شدّة حاجتهم إلى التفتيش و التصرّف إلى العلم بذلك لقوّة الدّواعي إليه و البواعث عليه، و قد يحصل للعقلاء هذا العلم قبل أن يختصّ بعضهم بالاعتقاد الّذي ذكرتم أنّه صارف لهم، فإذن لا يجب خلوّ مخالفينا من هذه العلوم على ما ادّعوه. و يلزم على هذا الوجه أن لا يكون أبو القاسم البلخيّ عالما بأن المحدثات تفتقر إلى محدث؛ لأنّه يعتقد أنّ العلم بذلك ضروريّ، و اعتقاده هذا صارف له عن النظر، فيجب أن لا يكون عالما بذلك و لا عارفا باللّه تعالى و لا بشيء من صفاته، فأيّ شيء قالوه في البلخيّ قلنا مثله فيما تعلّقوا به.
فإن قيل: إذا جوّزتم أن يكون العلم بالبلدان و ما جرى مجراها ضروريّا؛ فهل تشترطون في وقوع هذا العلم الشروط الّتي شرطها أبو عليّ و أبو هاشم، أم تشترطون غيرها.
قلنا: لا بدّ من شرط نختصّ نحن به، و هو أن يكون من أخبر بالخبر الّذي