نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٨ - المقدّمة معيار حجيّة المعارف الدينية من منظار المدرسة البغدادية
لما دلّت العقول على خلافه؛ لأنها إذا كانت محتملة حملناها على الوجه المطابق للحقّ الّذي هو أحد محتملاتها، و إن كانت غير محتملة عدلنا عن ظواهرها و قطعنا على أنه تعالى أراد غير ما يقتضيه الظاهر ممّا يوافق الحق» [١] .
٢-و قد سأله سائل عن عالم الذرّ: «ما تقول في الأخبار الّتي رويت من جهة المخالف و الموافق في الذر و ابتداء الخلق على ما تضمّن تلك الأخبار، هل هي صحيحة أم لا؟و هل لها مخرج من التأويل يطابق الحق؟» .
فالملاحظ هنا أنّ السائل في هذه العبارة يستوضح رأي المدرستين الشيعيّة و السنّية و يجيب السيّد المرتضى على ذلك بما يلي: «إنّ الأدلة القاطعة إذ دلّت على أمر وجب إثباته و القطع عليه، و أن لا يرجع عنه بخبر محتمل، و لا بقول معترض للتأويل، و تحمل الأخبار الواردة بخلاف ذلك على ما يوافق تلك الدلالة و يطابقه، و إن رجعنا بذلك عن ظواهرها، و بصحّة هذه الطريقة نرجع عن ظواهر آيات القرآن الّتي تتضمّن إجبارا أو تشبيها» [٢] .
إنّ من الواضح أنّ هذا المنهج منهج عامّ، و هو سار و جار في روايات الفريقين في المباحث التفسيريّة و الكلاميّة.
فمع ملاحظة هاتين العبارتين اتّضح مدى اهتمام السيّد المرتضى بالدفاع عن مدرسة التشيّع و إصلاح المصادر الّتي تستند عليها الشيعة. فقد وقف السيّد المرتضى موقفا حاسما في مواجهة الآراء الّتي كان يتبناها أهل الحديث و الأشاعرة من أهل السنّة و كذا الآراء و مبتنيات المدرسة الأخبارية الشيعية، و من جانب آخر اهتمّ بشكل معمّق بالاستدلال القرآني الّذي يتّفق عليه الطرفان و ذلك لنقض و إبرام أدلّتهم، هذا في حين رفض خبر الواحد و لم يعتبره حجّة و وقف بوجه هذين الخطّين الفكريين في تمسّكهما بخبر الواحد.
و حينما واجه السيّد المرتضى المعتزلة و تبنى مفهوم الحسن و القبح العقليين لم يقع في القول بالتفويض و حسب بل تمكن في الكثير من المواقف أن يزعزع
[١] الرسائل، ١: ١٢١.
[٢] الرسائل، ١: ١١٣.