نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٦ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
إنّ ظاهر الآيتين يشعر بوقوع المعصية من آدم عليه السّلام، و هذا ما لا يجوز على الأنبياء عليهم السّلام، و لذا فإنّ المرتضى يقدم أولا الدليل العقلي فيقول: قد علمنا أنّ الدلالة العقليّة الّتي قدمناها في باب أنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يجوز عليهم الكفر و المعاصي غير محتملة، و لا يصحّ دخول المجاز فيها، و الكلام في الجملة يصحّ فيه الاحتمال و ضروب المجاز، فلا بدّ من بناء المحتمل على ما لا يحتمل» [١] . و بعد أن يفرغ من الدليل يلتفت إلى السياق اللفظي، ليرى فيه دلالة أخرى تؤيد صحّة فهمه، فيقول: «إنّ الكناية في قوله سبحانه: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا غير راجعة إلى آدم عليه السّلام و حوّاء، بل إلى الذكور و الإناث من أولادهما أو إلى جنسين ممّن أشرك من نسلهما، و إن كانت الكناية الأولى تتعلّق بهما، و يكون تقدير الكلام: فلما أتى اللّه آدم و حوّاء الولد الصالح الّذي تمنياه و طلباه جعل كفّار أولادهما ذلك مضافا إلى غير اللّه تعالى، و يقوّي هذا التأويل قوله سبحانه: فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ، و هذا ينبىء على أنّ المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين، و ليس يجب من حيث كانت الكناية المتقدّمة راجعة إلى آدم عليه السّلام و حوّاء أن يكون جميع ما في الكلام راجعا إليهما؛ لأن الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره. و من كنايه إلى خلافها، قال اللّه تعالى: إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً `لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ [٢] فانصرف من مخاطبة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم إلى مخاطبة المرسل إليهم، ثمّ قال:
وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ [٣] يعني الرسول، ثمّ قال: وَ تُسَبِّحُوهُ [٤] يعني مرسل الرسول، فالكلام واحد متصل بعضه ببعض و الكناية مختلفة كما ترى [٥] .
فالمرتضى-هنا-يحتجّ بسياق الآية و يعدّ قوله تعالى: فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ، قرينة دلالية متّصلة تشهد بصحّة رأيه. ثمّ يلاحظ المرتضى ما في الكلام من الانتقال من خطاب إلى غيره و من كناية عن مذكور إلى مذكور سواه،
[١] تنزيه الأنبياء: ١٦-١٧.
[٢] سورة الفتح، الآيتان: ٨-٩.
[٣] سورة الفتح، الآية: ٩.
[٤] سورة الفتح، الآية: ٩.
[٥] تنزيه الأنبياء: ١٧.