نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥١ - الثامن فصل في المطلق و المقيّد
و لا خلاف في أنّ الحكم المقيّد إذا خالف الحكم المطلق، و لم يكن من جنسه، فإنّ التّقييد لا يتعدّى إلى المطلق. و إنّما اختلف فيما قيّد و أطلق، و الجنس واحد، كالكفّارات؛ لأنّه تعالى أطلق الرقبة في كفّارة الظّهار، و قيّدها في كفّارة القتل، فقال قوم: أن المطلق يصير مقيّدا للظاهر، لا للدّليل، و قال قوم: يقيّد بالدليل، و القياس، و قال آخرون: لا يصحّ تقييده بالقياس، من حيث يتضمّن الزيادة، و الزيادة في النصّ نسخ.
و الدّليل على أنّ المطلق لا يقيّد لأجل تقييد غيره أنّ كلّ كلام له حكم نفسه، و لا يجوز أن يتعدّى إليه حكم غيره، و لو جاز تقييد المطلق لأجل تقييد غيره، لوجب أن يخصّ العامّ لتخصيص غيره، و يشترط المطلق على هذا الوجه، و هذا يبطل الثقة بشيء من الكلام.
و احتجاجهم بأنّ القرآن كالكلمة الواحدة، يبطل بالاستثناء و التّخصيص.
و قولهم: «الشهادة لما أطلقت في موضع، و قيّدت في آخر، حكمنا بتقييدها في كلّ موضع» يبطل بأنّ العدالة معتبرة في كلّ موضع، و إنّما اشترطت لدليل هو غير ظاهر تقييدها في بعض المواضع.
فأمّا من يجعل القياس دليلا و طريقا إلى إثبات الأحكام، فليس له أن يمتنع من تقييد الرقبة بدليل القياس، إن اقتضى ذلك، و إن كان زيادة، و ليس في الحقيقة زيادة، لأنّ تقييد الرقبة بالإيمان يقتضي أن المجزي أقلّ ممّا كان يجزي، و هذا في المعنى تخصيص، لا زيادة، و لا معتبر بزيادة اللّفظ، لأنّ كلّ تخصيص بدليل شرعيّ لا بدّ من كونه زيادة في اللّفظ [١] .
[١] الذريعة، ١: ٢٧٥.