نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤٦
لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، و لا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك، فإنّه إنّما ألقي إليك، و أطلعت عليه لتجتنبه؛ لا لتفعله، ثم قال: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ، أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب؛ و إن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك؛ و لهذا قال: وَ يَتَعَلَّمُونَ مََا يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ، لأنّهم لمّا قصدوا بتعلّمه أن يفعلوه و يرتكبوه، لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.
و ثانيها: أن يكون وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ موضعه موضع جرّ، فيكون معطوفا بالواو على مُلْكِ سُلَيْمََانَ؛ و المعنى: و اتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان، و على أنزل على الملكين؛ و معنى وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ أي معهما، و على ألسنتهما؛ كما قال تعالى: رَبَّنََا وَ آتِنََا مََا وَعَدْتَنََا عَلىََ رُسُلِكَ [١] ، أي على ألسنتهم و معهم.
و ليس بمنكر أن يكون وَ مََا أُنْزِلَ معطوفا علي مُلْكِ سُلَيْمََانَ و إن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض؛ لأنّ ردّ الشيء إلى نظيره، و عطفه على ما هو أولى هو الواجب، و إن اعترض بينهما ما ليس منهما؛ و لهذا نظائر من القرآن و كلام العرب كثيرة، قال اللّه تعالى: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلىََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) `قَيِّماً [٢] و «قيّم» من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة «عوج» ، و إن تباعد ما بينهما، و مثله قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ [٣] ، فالمسجد هاهنا معطوف على الشهر الحرام، أي يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام و عن المسجد الحرام.
و حكي عن بعض علماء أهل اللغة أنّه قال: العرب تلفّ الخبرين المختلفين، ثم ترمي بتفسيرهما جملة؛ ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ خبره؛ كقوله تعالى: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [٤] ، و هذا واضح في مذهب العرب، كثير النظائر.
[١] سورة آل عمران، الآية: ١٩٤.
[٢] سورة الكهف، الآيتان: ١-٢.
[٣] سورة البقرة، الآية: ٢١٧.
[٤] سورة القصص، الآية: ٧٣.