نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٠ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
محصاة و لا متناهية، ثمّ لو انحصرت على ما ادّعي لتوجّه الكلام؛ لأن اللّه تعالى قادر بغير شبهة على أن يسلب العرب في أصل العادة العلوم الّتي يتمكّنون بها من الفصاحة الّتي نراها في كلامهم و أشعارهم لا يمكنهم من هذه الغاية الّتي هم الآن عليها، فيظهر حينئذ مزية القرآن و خروجه عن العادة ظهورا تزول معه الشبهات و يجب معه التسليم، فألا فعل ذلك إن كان الغرض ما هو أظهر و أبهر، و ألاّ أحيى اللّه تعالى عنه دعوته الأموات أو أكثرهم و أمات الإحياء أو أكثرهم، و ألاّ أحيى عبد المطّلب عليه السّلام، و نقل جبال مكّة من أماكنها كما اقترح القوم عليه، فذلك كلّه أظهر و أبهر.
فإن قيل: إذا لم يكن القرآن خارقا للعادة بفصاحة كيف شهد له بالفصاحة متقدموا العرب فيها كالوليد بن مغيرة و غيره؟و كيف انقاد له صلى اللّه عليه و آله و سلم و أجاب دعوته كبراء الشعراء، كالنابغة الجعدي، و لبيد بن ربيعة، و كعب بن زهير، و يقال: إن الأعشى الكبير توجّه ليدخل في الإسلام فغاظه أبو جهل بن هشام و قال: إنه يحرّم عليك الأطيبين الخمر و الزنا، و صدّه عن التوجّه؟و كيف يجيب هؤلاء الفصحاء إلاّ بعد أن بهرتهم فصاحة القرآن و أعجزتهم؟
قلنا: ما شهد الفصحاء من فصاحة القرآن و عظم بلاغته إلاّ بصحيح، و ما أنكر أصحاب الصرفة علوّ مرتبة القرآن في الفصاحة، قالوا: ليس بين فصاحة- و ان علت على كلّ كلام فصيح-قدر ما بين المعجز و الممكن، و الخارق للعادة و المعتاد، فليس في طرب الفصحاء بفصاحته و شهادتهم ببراعته ردّ على للعادة و المعتاد، فليس في طرب الفصحاء بفصاحته و شهادتهم ببراعته ردّ على أصحاب الصرفة، و أمّا دخول فصحاء الشعراء في الدعوة فإنّما يجب أن يكون ذلك الأمر قهرهم و بهرهم، و أيّ شيء أبلغ في هذا الباب من تعذّر المعارضة عليهم إذا راموها مع تسهّل الكلام الفصيح عليهم إذا لم يعارضوا.
فإن قيل: كيف لم يصرف مسيلمة عمّا أتى به من المعارضة؟
قلنا: لا شيء أبلغ في دلالة القرآن على النبوّة من تمكين مسيلمة من معارضته السخيفة؛ لأنه لو لم يكن غيره من الفصحاء الّذين يقارب كلامهم