نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٢ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
و من اشتبه عليه الموضع الّذي ذكرناه فإنّما أتى من قبل نفسه و تقصيره؛ لأنه كان يجب أن لا يصدّق إلاّ من علم أن اللّه تعالى صدّقه بذلك.
ثمّ يقال للمعلّق بهذا: أليس قد ضلّ بزرادشت و ماني و الحلاج و من جرى مجراهم من المنخرقين و الملتمسين جماعة و فسدت بهم أديانهم، فألاّ منعهم اللّه تعالى من هذا الاستفساد إن كان المنع منه واجبا؟
فإن قيل: كل من فسد و ضلّ عند مخاريق هؤلاء الّذين ذكروا كان في معلوم اللّه تعالى أن سيضلّ و يفسد و ان لم يدع هؤلاء إلى باطلهم.
قلنا: فما أنكرت أن يكون كلّ من أضلّ بما ألقته الجنّ من هذا الكلام الفصيح قد علم اللّه تعالى أنه كان يضلّ لو لم تلقه، على أنا لو شئنا أن نقول لقلنا: إننا عالمون ضروره بأنه قد ضلّ بالحلاج و ماني و من أشبههما من أصحاب الحيل و المخاريق من لولاهم لما ضلّ، و لبقي على الدين الصحيح، لقلنا: و هذه الطريقة يختارها أبو عليّ الجبائي و زعم أنه إنّما ضلّ بدعاء إبليس لعنه اللّه و وسواسه، من لولا دعاؤه لعلم اللّه تعالى أنه كان لا يضل.
و لأبي هاشم جواب آخر في استفساد إبليس، و هو أن يقول: إن حقيقة الاستفساد هو ما وقع عنده الفساد، و لولاه لما وقع من غير أن يكون تمكينا و لا له حظّ في التمكين، فإذا علم اللّه سبحانه أن من امتنع من القبيح و فعل الواجب عليه مع غواية إبليس يكون ثوابه على فعل الواجب و الامتناع من القبيح أعظم و أكبر؛ لأن المشقّة عليه أكثر، و يجريه مجرى زيادة الشهوة و إن وقع عندها من القبيح ما لو لا تقويها لما وقع، و يجري هذا كلّه مجرى التمكين الخارج عن باب الاستفساد.
و على هذا المذهب لا يمتنع أن يقال في سؤال الجن مثله، و أن ثواب من لم يتسرع إلى تصديق من ظهر على يده ما يجوز أن يكون من فعل اللّه تعالى أكبر و أعظم، و المشقّة عليه في هذا التكليف أغلظ، و المحنة آكد، فلحق ذلك بالتمكين و خرج من أن يكون استفسادا، فلا يجب منعه تعالى منه.
و ممّا اعتمدوا أيضا في جواب مسألة الجنّ قالوا: إنه لا فرق في خرق