نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٣ - فصل الفرق بين صنع الخالق و المخلوق و دلالة الكتاب
أمهاتنا، و أنتم أبناؤنا، ثمّ أخبر أنّه لا يقول إلاّ حقا و أنّ الكذب ليس من قوله و لا من فعله.
و قال عزّ من قائل: وَ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ اَلْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنََاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحََانَهُ وَ تَعََالىََ عَمََّا يَصِفُونَ [١] فأخبر أنّهم جعلوا له شركاء، و لو كان الجاعل لما كان قد جعل لنفسه شركاء، و لا يخلو من أن يكون هو جعل لنفسه شركاء دونهم، أو يكونوا هم الذين جعلوا له شركاء، و هو عن ذلك متعال لم يفعله و لم يجعله، و لو كان هو الذي جعل لنفسه شركاء دون عباده أو إن كان هو جعل ما جعلوا كان قد جعل لنفسه شركاء كما جعل ذلك عباده. فكان قد شارك، عباده في شركهم و كفرهم، و من جعل للّه شريكا فقد أشرك باللّه غيره و قال: وَ يَجْعَلُونَ لِلََّهِ اَلْبَنََاتِ [٢] و قال: وَ يَجْعَلُونَ لِلََّهِ مََا يَكْرَهُونَ [٣] و قال:
وَ جَعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [٤] فلو كان جاعلا ما جعلوه من الكفر كان قد جعل لنفسه ما يكرهه، و جعل لنفسه أندادا، جلّ اللّه عن ذلك.
و قال عزّ و جلّ: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا أَ جَعَلْنََا مِنْ دُونِ اَلرَّحْمََنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [٥] فنفى أن يكون جعل من دونه آلهة، فعلمنا أنّ اتّخاذ الاله من دون اللّه لم يجعله اللّه.
و قال عزّ و جلّ: إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجََاهِلِيَّةِ [٦] فلو كان هو الذي جعل الحميّة في قلوبهم لم يقل هم الذين جعلوا الحميّة.
فإن قالوا: ما أنكرت أن يجعل ما جعل العباد.
قيل لهم: لو جاز أن يكون جاعلا لما جعله العباد لكان عادلا بعدل العباد، و مصلحا بصلاح العباد، و جائرا بجور العباد، و مفسدا بفساد العباد، و كاذبا بكذبهم؛ إذ كان لكذبهم و فسادهم و جورهم فاعلا، فلمّا لم يجز ما ذكرناه علمنا أنّ اللّه لم يجعل لما جعله العباد.
[١] سورة الأنعام، الآية: ١٠٠.
[٢] سورة النحل، الآية: ٥٧.
[٣] سورة النحل، الآية: ٦٢.
[٤] سورة إبراهيم، الآية: ٣٠.
[٥] سورة الزخرف، الآية: ٤٥.
[٦] سورة الفتح، الآية: ٢٦.