نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٥ - سورة البقرة
سألتني بأناس هلكوا # شرب الدّهر عليهم و أكل [١]
و إنّما أراد بالأكل و الشرب الإفساد لهم، و التغيير لأحوالهم، و مثله قول الآخر:
يقرّ بعيني أن أرى باب دارها # و إن كان باب الدّار يحسبني جلدا
و الجواب الثاني: أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه «عزّ و جلّ» أن يستدرجهم و يهلكهم من حيث لا يعلمون و لا يشعرون.
و يروى عن ابن عباس أنّه قال في معنى استدراجه إياهم: إنّهم كانوا كلّما أحدثوا خطيئة جدّد لهم نعمة؛ و إنّما سمّي هذا الفعل استهزاء من حيث غيّب تعالى عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم؛ كما أنّ المستهزىء منّا، المخادع لغيره يظهر أمرا؛ و يضمر غيره.
فإن قيل: على هذا الجواب فالمسألة قائمة، و أيّ وجه لأن يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك؟
قلنا: ليس الهلاك هاهنا هو الكفر، و ما أشبهه من المعاصي التي يستحقّ بها العقاب؛ و إنّما استدرجهم إلى الضرر و العقاب الذي استحقّوه بما تقدّم من كفرهم؛ و للّه تعالى أن يعاقب المستحقّ بما شاء أيّ وقت شاء؛ فكأنّه تعالى لمّا كفروا و بدّلوا نعمة اللّه، و عاندوا رسله لم يغيّر نعمه عليهم في الدنيا؛ بل أبقاها لتكون-متى نزعها عنهم، و أبدلهم بها نقما-الحسرة منهم أعظم، و الضرر عليهم أكثر.
فإن قيل: فهذا يؤدّي إلى تجويز أن يكون بعض ما ظاهره ظاهر النعمة على الكفّار ممّا لا يستحقّ اللّه به الشكر عليهم.
قلنا: ليس يمتنع هذا فيمن استحقّ العقاب؛ و إنّما المنكر أن تكون النعم المبتدأة بهذه الصفة على ما يلزمه مخالفنا، ألا ترى أنّ الحياة و ما جرى مجراها
[١] اللسان (أكل) ، و نسبه إلى النابغة الجعديّ. في بعض النسخ: «سألتني عن أناس» .