نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٨٤ - سورة البقرة
التي هي حروف العرب، المبني منها كلامه، أوردها في أوائلها، تسكينا للعرب بما لزمهم من الحجّة و ظهر منهم من المعجز.
كأنّهم خوطبوا فقيل لهم: يا أيها الكافرون بما أنزل على محمّد هذا الذي زعمتم أنّ محمدا صلى اللّه عليه و آله و سلم... [١] اللّه كلام بني من حروفكم و كتابكم و بلغتكم المتداولة بينكم لا [٢] ... و معانيه و طرقه و بيانه معاني كلامكم و طرائقكم و مذاهبكم، قد دعيتم إلى الاتيان بمثله و مثل أقل سورة منه فعجزتم، فلو كان كما تزعمون لكنتم قادرين على مثله» . و أطنب في هذا الكلام و أسهب و ذهب كل مذهب.
و هذا الوجه غير سديد و لا مرضي؛ لأنّ القوم كانوا يعرفون أنّ القرآن مبني من حروف المعجم و مركّب منها ضرورة عند سماعه و إدراكه، و لا يحتاجون إلى أن يقدّم لهم في أوائل السور حروف تدلّ على أنّ الكلام الذي أنزله مبني منها.
فإن كان المراد بتقديم هذه الحروف الدلالة على أنّ القرآن مركّب منها، فذلك مستغنى عنه بما ذكرناه، و إن كان للتبكيت و التقريع من حيث عجزوا عن الاتيان بمثله و هو مركّب منه، فهذا التقريع أيضا ليتمّ مع القاء هذه الحروف؛ لأنّ المعلوم الذي لا اشكال فيه أنّ القرآن من هذه الحروف مركّب، و أنّهم إذا عجزوا عن معارضته و مقابلته، فقد عجزوا عن تجانس كلامهم.
و ليس ينبغي أن يعتمد على هذا الجواب الذي ذكرناه مستضعفا له.
و ممّا قيل في هذه الحروف أنّها منبئة عن أسماء اللّه تعالى، فقالوا: «الم» أنا اللّه، و في «الر» أنا الباري، و في «المص» أنا اللّه الصادق، و في «كهيعص» الكاف من كريم و العين من عليم و الصاد من صادق و الهاء من هادي، و هذا حكي عن جماعة من المفسّرين.
و هو وجه باطل لا خفاء في بطلانه؛ لأنّه رمز و الغاز لا يدلّ ظاهر الكلام
[١] كذا، و الظاهر: افترى على.
[٢] كذا و الظاهر: لا من غيره.