نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٥ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
مجرى نقل الكلام؛ لأن الجنّي إذا نقل إلينا كلاما ما جرت عادتنا بمثل فصاحته، فبنفس نقله قد خرق عادتنا، و ليس للّه تعالى في ذلك فعل يخرق عادتنا، و إذا نقل الجسم المشار إليه فبنفس نقله الجسم لم يخرق عادتنا، و إنّما الخارق لها من احياء الميّت عند تقريب الجسم منه، و الفرق بين الأمرين غير خاف على المتأمّل.
فإن قيل: سؤال الجن يطرق أن يجوز فيمن ظهر على يده احياء ميّت أن لا يكون صادقا، بل يكون الجنّي أحضر من بعد حيّا و أبعد هذا الميّت؛ لأن خفاء رؤيته وسعة حيلته يتمّ نعمها [١] قبل ذلك، و ان مدّعي النبوّة ادعى معجزا له نقل جبل أو اقتلاع مدينة، و وقع ذلك، جوّزنا أن يكون الجنّ تولّوه و فعلوه، و لو أنّ المدّعي تولى ذلك بجوارحه جاز في الجنّي أن يتحمّل عنه ذلك النقل، و لا يحصل عليه شيء من تكلّف ذلك النقل. و هذا قدح في جميع المعجزات أو الرجوع إلى أن اللّه تعالى يمنع من الاستفساد و أنتم لا ترتضون بذلك.
قلنا: معلوم أن أجسام الملائكة و الجنّ لطيفة رقيقة متخلخلة، و لهذا لا نراهم بعيوننا إلاّ بعد أن يكيفوا، و من كان متخلخل البنية لا يجوز أن تحله قدر كثيرة، لحاجة القدر في كثرتها إلى الصلابة و زيادة البنية، و لهذه العلّة لا يجوز أن تحلّ النملة من القدر ما يحلّ الفيل، فلا يجوز على هذا الأصل أن يتمكّن ملك و لا جني من حمل جبل و لا قلع مدينة إلاّ بعد أن يكشف اللّه تعالى بنيّته و يعظم جثته، و إذا حصل هذه الصفة رأته كلّ عين سليمة و ميّزته.
فإذا ادعى النبوّة من جعل معجزة اقلاع مدينة أو نقل جبل، فوقع ما ادعاه من غير أن يشاهد جسما كثيفا أعان عليه أو تولاه، يبطل التجويز لأن يكون من فعل جنّي أو ملك، و خلص فعلا للّه تعالى.
و لا فرق في اعتبار هذه الحال بين الجنّ و البشر؛ لأن مدّعي الإعجاز بحمل جبل ثقيل لا ينهض بحمله أحد منّا منفردا لا بدّ في الاعتبار عليه من أن يمنعه
[١] كذا.