نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢١ - فصل في أن القرآن لم يعارض
الأعراض عنها فسادا أو اغترارا من جمع عظيم، و قد كان يجب لما رأوا عاقبة اطراحهم المعارضة و ما صاروا إليه من التعب أن يستأنفوها و يعلموا خطأهم من الكفّ عنها.
و من لا يعارض احتقارا لشأنه و تعويلا على ظهور القدرة على المعارضة، لا تنصب له الحروب و تجهز إليه الجيوش، و لا يعارض بما لا شبهة في مثله، و لا تبذل البذول لمن يهجوه و يقذفه؛ لأن ذلك كلّه يدلّ على قوّة الاهتمام و الاطراح، و التهاون ضدّ ذلك.
و الجواب عن سابعها: أنا لو قدرنا وقوع ما فرضوه على بعده لوجب على من لم يواطئه من الفصحاء أن يعارضوا بما يقدرون عليه، فإنا و ان فرضنا أنهم أدون فصاحة ممّن واطأه، فليس يجوز بمجرى العادة أن يكون التفاضل بينهم و بين من هو أفصح منهم ينتهي إلى ارتفاع المقارنة و المداناة بين كلام الجماعة، و الإتيان بما يقارب في هذا الوجه كاف في الحجّة.
على أن التأمل يبطل هذه الشبهة؛ لأن الفصحاء و البلغاء و وجوه الشعراء كانوا منحرفين عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و من طبقة أعدائه كان الأعشى، و هو في الطبقة الاولى، و من أشبهه ممّن مات على كفره و خروجه عن الإسلام، و كعب بن زهير أسلم في آخر الأمر، و هو معدود في الطبقة الثانية، و كان من أشدّ الناس عداوة الإسلام، و لبيد بن ربيعة و النابغة الجعدي و هما في الطبعة الثالثة أسلما بعد زمان طويل، و ما رأيناهما خطيبا في الإسلام برتبة و لا منزلة توهم مواطاة وقعت معهما.
و من قوي ما يقال في حلّ هذه الشبهة: أن حال المتقدّمين في كلّ صناعة لا يجوز أن يخفى على أهل تلك الصناعة، و لا بدّ من أن يعرفوهم بأعيانهم، فكان يجب لما طولبوا بإيراد الكلام الفصيح أن يفزعوا إلى من يعلمون تقدمه فيهم، فإذا رأوا منهم امتناعا علموا بالمواطأة، فوافقوا عليها و بكتوا بها و أسقطوا الحجّة عن نفوسهم بذكرها، و ما رأيناهم تعرّضوا لذلك.
و بعد؛ فإن تطرق هذه الشبهة يقتضي أن لا يقطع على تقدّم أحد في صناعة و لا