نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٠ - فصل في أن القرآن لم يعارض
و بعد، فقد كان يجب أن يعارضوا على كلّ حال و إن خافوا التباس ذلك؛ لأنهم كانوا عند من لا يشتبه ذلك عليه-و هم الأكثر-معذورين خارجين، فما دعوا إليه؛ فإن العاقل لا يختار ما معه عند جميع العقلاء مغلوبا محجوجا لخوفه من أن يشتبه ما يأتي به على بعضهم، فكأنهم خافوا ظنّ العجز من بعض الناس ففعلوا ما يوجب العلم بعجزهم عند جميع الناس.
على أنه لو اعتذر عاقل تحدى بفعل فلم يأت به بمثل هذا العذر لكان عند جميع العقلاء ملوما.
و الجواب عن خامسها: أن المثل الّذي دعوا إليه لا يجوز أن يشتبه عليهم المراد به، و قد جرت عادتهم أن يتحدّى بعضهم بعضا، و لو اشتبه ذلك عليهم لاستفهموه مع تطاول الأيّام.
و بعد؛ فإن القرآن إذا لم يكن دالاّ على النبوّة فليس بمتعذر مماثلته و معارضته من جميع الوجوه، فألاّ فعلوا ذلك ما يقدرون عليه.
و الجواب عن سادسها: أن هذه الشبهة لا يصحّ أن يسأل عنها من ذهب إلى أن اللّه تعالى صرف عن المعارضة، و أن التحدّي على التحقيق إنّما هو بالصّرفه، و إنّما سأل عنها من ذهب إلى أن العادة انحرفت بفصاحة القرآن.
فإذا قيل: إنّما عوّلوا في أنهم غير مصروفين عن المعارضة، على ما تقدّم من كلامهم الفصيح في شعر و غيره.
قلنا: لا معوّل على ذلك؛ لأن التحدّي وقع بأن اللّه تعالى يصرفهم مستقبلا عن المعارضة، فلو كان موجودا في كلامهم الموجود المتقدّم ما يماثله في الفصاحة لكان مؤكّدا لحجّته لصرفهم عما هو ممكن مقدور، كما لو ادعى أن دليل نبوّته امتناع حركتهم في وقت مخصوص لم يكن فيما تقدّم من حركاتهم حجّة في دفع.
و بعد؛ فإن العقلاء إنّما يعرضون عن معارضته من تحدّاهم بأمر للوجه الّذي ادعوه إذا كانت الشبهات مرتفعة و الأمر ظاهر غير ملتبس، و أمنوا من أن يعقب