نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٨ - فصل في أن القرآن لم يعارض
الخامس: أنهم عوّلوا على أنّ في أشعارهم المنظومة و خطبهم المنثورة ما يماثل، بل يزيد على بلاغة القرآن و فصاحته، و أن ما يستأنفوه من المعارضة لا يزيد على ما تقدّم، و جروا في ذلك مجرى من تحدّى غيره وقوعه بالعجز عن المشي و الحركة في حال هو فيها ماش متصرف.
السادس: أن قالوا: جوّزوا أن يكون المتمكّنون من المعارضة جماعة قليلة العدد، و أنها و اطأته على إظهار المعجز لتشاركه فيما يتمّ من رياسته.
و الجواب عمّا ذكرناه:
أوّلا: أنا لا نحتاج إلى تعاطي استدلال على قوّة دواعي القوم إلى المعارضة؛ لأن ذلك معلوم ضرورة لكلّ من سمع أخبارهم؛ و كيف لا يكون ذلك معلوما و قد طالبهم صلى اللّه عليه و آله و سلم و هم ذوو الحميّة و العصبيّة و الأنفة، و بالامتناع من الذلّة بالرجوع عن دياناتهم و النزول عن رياساتهم، و ان يصيروا اتباعا بعد أن كانوا متبوعين، و أمرهم بالبراءة من آبائهم و أبنائهم، و جهاد كلّ من خالف دينه من حميم و نسيب، و علموا أن بالمعارضة يزول ذلك كلّه و يبطل و يضمحلّ، فأيّ داع هو أقوى من داعي المعارضة؛ و كيف لا يكونون مدعوّين إليها و مبعوثين عليها، و قد خرجوا اهتماما بما دهمهم إلى ضروب من تحمّل المشاق بالمحاربة و المغالبة، و بذل الأموال، و تحمّل الاثقال، و تنظم الهجاء، و استعمال السبّ و القذف، و كلّ ذلك لا يغني و لا فيه طائل، فلولا أن المعاضة متعذّرة لبادروا إليها، فهي أسهل و أمثل و أقطع للمادّة من كلّ شيء تكلّفوه.
و الجواب عن ثانيها: أن الشبهة إنّما يجوز دخولها فيما يشتبه و يلتبس على العقلاء، فأمّا ما هو ظاهر لكلّ عاقل فما جرت العادة بأن يدخل فيه شبهة، و فعل المتحدّي ما تحدى به لا يدخل على عاقل شبهة في أنه واجب، بل ملجأ إليه إذا حصلت القدرة عليه، و ما لا يدخل الشبهة على الصبيان و العوام فيه؛ لأن أحدهم لودعا غيره إلى رمي غرض أو طفر جدول لبادر إلى فعله لو كان قادرا عليه، و لا يجوز أن يدخل عليه شبهة فيعدل عن الفعل مع القدرة. و ما لا تدخل الشبهة فيه على ما ذكرناه كيف تدخل على الحكماء الرحجان على أن للعرب