نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٤٦
المرئي طلبا لرؤيته. و ان وصفناه تعالى بأنه ناظر أي راحم إذا قيّدناه.
و لا يوصف تعالى بأنه «شامّ» و «ذائق» ؛ لأنا قد بيّنا في صدر هذا الكتاب أن ذلك ليس بعبارة عن الإدراك و إنّما هو عبارة عن تقريب الجسم إلى الحاسة، و أنهم يقولون: شمته فلم أجد له ريحا، و ذقته فلم أجد له طعما [١] .
[الثاني: ]و يوصف تعالى بأنه «عليّ» و «عال» و «متعال» ، و يراد بذلك أنه قاهر للأشياء قادر عليها، كما قال اللّه تعالى: مَا اِتَّخَذَ اَللََّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مََا كََانَ مَعَهُ مِنْ إِلََهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلََهٍ بِمََا خَلَقَ وَ لَعَلاََ بَعْضُهُمْ عَلىََ بَعْضٍ [٢] ، أراد تعالى غلّب بعضهم بعضا و قهره، و قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاََ فِي اَلْأَرْضِ [٣] أي قهر أهلها.
و قد قيل: إن معنى ذلك التنزّه عن القبائح نحو قوله تعالى: تَعََالىََ عَمََّا يُشْرِكُونَ [٤] [٥] .
- اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [البقرة: ٢٥٧].
[إن سأل سائل]فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضى أنّه هو الفاعل للإيمان فيهم؟لأنّ النور هاهنا كناية عن الإيمان و الطاعات، و الظلمة كناية عن الكفر و المعاصي، و لا معنى لذلك غير ما ذكرناه. و إذا كان مضيفا للإخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين، و هذا خلاف مذهبكم.
الجواب: قلنا: أمّا النور و الظلمة المذكوران في الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان و الكفر، و جائز أيضا أن يراد بهما الجنّة و النار، و الثواب و العقاب فقد تصحّ الكناية عن الثواب و النعيم في الجنّة بأنّه نور، و عن العقاب في النار بأنّه ظلمة، فإذا كان المراد بهما الجنّة و النار ساغت إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى؛ لأنّه لا شبهة في أنّه جلّ و عزّ هو المدخل للمؤمن الجنّة، و العادل به عن طريق النار. و الظاهر بما ذكرناه أشبه؛ لأنّه يقتضى أنّ
[١] الذخيرة: ٥٨٥.
[٢] سورة المؤمنون، الآية: ٩١.
[٣] سورة القصص، الآية: ٤.
[٤] سورة يونس، الآية: ١٨.
[٥] الذخيرة: ٥٨١.