نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٧
و كذلك قد يقول أحدنا لغيره: أنا نجيتك من كذا و كذا، و استنقذتك و خلّصتك، و لا يريد أنّه فعل بنفسه فعله. و المعنى في ذلك ظاهر؛ لأنّ ما وقع بتوفيق اللّه تعالى و دلالته و هدايته و معونته و ألطافه قد يصحّ إضافته إليه فعلى هذا صحّت إضافة النجاة إليه تعالى.
و يمكن أيضا أن يكون مضيفا لها من حيث ثبّط عنهم الأعداء، و شغلهم عن طلبهم؛ و كلّ هذا يرجع إلى المعونة؛ فتارة تكون بأمر يرجع إليهم، و تارة بأمر يرجع إلى أعدائهم.
فإن قيل: كيف يصحّ أن يقول: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ فيخاطب بذلك من لم يدرك فرعون و لا نجا من شرّه؟.
قلنا: ذلك معروف مشهور في كلام العرب؛ و له نظائر؛ لأنّ العربيّ قد يقول مفتخرا على غيره: قتلناكم يوم عكاظ و هزمناكم؛ و إنّما يريد أنّ قومي فعلوا ذلك بقومك. قال الأخطل يهجو جرير بن عطية:
و لقد سما لكم الهذيل فنالكم # بإراب حيث يقسّم الأنفالا [١]
في فيلق يدعو الأراقم لم تكن # فرسانه عزلا و لا أكفالا [٢]
و لم يلحق جرير الهذيل؛ و لا أدرك اليوم الذي ذكره؛ غير أنّه لمّا كان يوم من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه و الى قومه؛ فكذلك خطاب اللّه تعالى بالآية إنّما توجّه إلى أبناء من نجّى من آل فرعون و أحلافهم.
و المعنى: و إذ نجّينا آباءكم و أسلافكم؛ و النعمة على السلف نعمة على الخلف [٣] .
[١] ديوانه ٤٨ و في حاشية بعض النسخ: «الهذيل بن هبيرة التغلبي، و كان غزا بني رباح يوم إراب؛ و إراب اسم ماء» .
[٢] الأراقم: قبائل معروفة، و العزل: الضعفاء و الأكفال: جمع كفل، و هو الذي لا يثبت على ظهور الخيل؛ و مثله قول الشاعر:
ما كنت تلقى في الحروب فوارسي # ميلا إذ ركبوا و لا أكفالا
[٣] الأمالي، ٢: ٩٤.