نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٠
و الوجه الثاني: أن يكون الأمر و إن كان ظاهره ظاهر أمر، فغير أمر على الحقيقة؛ بل المراد به التقرير و التنبيه على مكان الحجّة؛ و قد يرد بصورة الأمر ما ليس بأمر، و القرآن و الشعر[و كلام العرب مملوء بذلك].
و تلخيص هذا الجواب أنّ اللّه تعالى لمّا قال للملائكة: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قََالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قََالَ إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [١] ؛ أي مطلّع من مصالحكم، و ما هو أنفع لكم في دينكم على ما لا تطلّعون عليه. ثمّ أراد التنبيه على أنّه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة-مع أنّها تسبّح و تقدّس و تطيع و لا تعصي-أولى بالاستخلاف في الأرض؛ و إن كان في ذرّيّته من يفسد و يفسك الدماء. فعلّم آدم عليه السّلام أسماء جميع الأجناس، أو أكثرها، و قيل أسماء محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم و الأئمة من ولده، و فيه أحاديث مروية، ثمّ قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ مقرّرا لهم و منبّها على ما ذكرناه، و دالاّ على اختصاص آدم بما لم يخصّوا به و فلمّا أجابوه بالاعتراف و التسليم إليه علم الغيب الذي لا يعلمونه، فقال تعالى لهم: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [٢] منبّها على أنّه تعالى هو المتفرّد بعلم المصالح في الدين، و أنّ الواجب على كلّ مكلّف أن يسلم لأمره، و يعلم أنّه لا يختار لعباده إلاّ ما هو أصلح لهم في دينهم؛ علموا وجه ذلك أم جهلوه.
و على هذا الجواب يكون قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ محمولا على كونهم صادقين في العلم بوجه المصلحة في نصب الخليفة، أو في ظنّهم أنّهم يقومون بما يقوم به هذا الخليفة و يكملون له؛ فلولا أنّ الأمر على ما ذكرناه، و أنّ القول لا يقتضي التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم و إقرارهم: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معنى، لأنّ التكليف الأوّل لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه السّلام بالأسماء، و لا يكون قوله:
[١] سورة البقرة، الآية: ٣٠.
[٢] سورة البقرة، الآية: ٣٣.