نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٩ - فصل في أن القرآن لم يعارض
عادة في تحدّي بعضهم عن بعض، و ما كانوا يفزعون عند التحدّي إلاّ إلى المعارضة دون غيرها من ضروب الأفعال، فلو صحّ دخول الشبهة على غيرهم في هذا الباب لم يجز دخولها عليهم للعادة الّتي بيناها.
و الجواب عن ثالثها: أن القوم لا يجوز أن يعتقدوا أن الحرب أولى من المعارضة؛ لأنه صلى اللّه عليه و آله و سلم ما ادعى الابانة منهم بالغلبة و القهر، و أنهم لا يتمكنون من قتاله، و فزعوا إلى الحرب التي هي أبلغ في هذا الباب، و إنّما تحدّاهم و ادّعى البينونة منهم بأن معارضة القرآن الّذي أظهره يتعذّر عليهم، فلا شبهة في أن المعارضة أولى من الحرب لو وثقوا بالظفر، فكيف و هم فيه على خطر و لا خطر في معارضته.
و لو بدأوا أمام الحرب لكانوا بين أحد حسنيين: إما أن يتفرّق جمع عدوّهم فيستريحوا منه من أقرب الطرق و أخصرها، أو أن يقيم قوم عنادا أو خلافا بعد سماع المعارضة على التمسّك بنصرته، فيستعملوا حينئذ الحرب في موضعها و عند أوانها، و عقيب الاعذار، و اقام الحجّة، و لو كانوا جمعوا بين المعارضة و الحرب؛ فإن الحرب لا يمنع من المعارضة الّتي هي كلام مسموع و قول منقول، لأخذوا الصواب من طرفيه.
على أنهم لما جربوا الحرب مرارا كثيرة و لم يبلغوا بها غرضا، كان يجب أن يرجعوا إلى المعارضه لزوال الشبهة الصارفة عنها.
على أن الحرب إنّما وقعت بعد الهجرة و بعد مضي ثلاثة عشر سنة، فما علّة امتناعهم من المعارضة طول المدّة المتقدّمة للحرب؟و كيف خلوا في تلك الأحوال من المعارضة و الحرب معا؟
و الجواب عن رابعها: أن التحدّي إذا ثبت أنه إنّما كان بأن يأتوا بما يقارب القرآن، و يشتبه به بالفصاحة؛ لأن المماثلة على التحقيق لا تضبط، و ما جرت العادة بأن يتحدّى بعضهم بضعا في أشعارهم و خطبهم إلاّ كذلك، فكيف يخافون من وقوع الاشتباه و الالتباس فيما يعارضون به، و ذلك إذا وقع فهو المطلوب المبتغى؛ لأنهم ما دعوا إلاّ إليه.