نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٧ - الأوّل فصل في حدّ النسخ و مهمّ أحكامه
أحدهما: أن يعلم باللّفظ من غير حاجة إلى غيره، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيََامَ إِلَى اَللَّيْلِ [١] .
و الضرب الآخر: أن تعلم الغاية على سبيل الجملة، و يحتاج في تفصيلها إلى دليل سمعيّ، نحو قوله «دوموا على هذا الفعل إلى أن أنسخه عنكم» و الدّليل الشرعي الوارد بزوال الحكم يوصف بأنّه ناسخ.
و من شرط النسخ أن يكون في الأحكام الشرعيّة، دون أجناس الأفعال.
و ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يزول الحكم لا إلى بدل و الثاني: أن يزول إلى بدل يضادّه، و يكون نسخا. و الثالث: أن يزول إلى بدل يخالفه.
فأمّا زواله لا إلى بدل؛ فإنّما يكون نسخا؛ لأنّه علم به أنّ مثل الحكم الثابت بالنصّ المتقدّم مرتفع في المستقبل و لأنه إذا زال إلى بدل؛ فالّذي أوجب كونه منسوخا زواله لا ثبوت البدل؛ لأنّه إن ثبت من دون زوال الأوّل، لم يكن نسخا. و من حقّ هذا الضرب أن لا يعلم نسخه إلاّ بدليل دون الأحكام.
فأمّا ما يرتفع إلى بدل مخالف؛ فمن حقّه أيضا أن لا يعلم إلاّ بدليل سوى الحكم؛ لأنّ الحكم إذا لم ينافه؛ لم يعلم به كونه منسوخا، و مثاله ما روي في وجوب صوم شهر رمضان أنّه نسخ صوم عاشوراء، و أنّ الزكاة نسخ وجوبها سائر الحقوق. و متى قيل فيما هذه حاله: «إنّ كذا نسخ بكذا» فمجاز، و المراد به أنّ عنده علم نسخ الأوّل.
و أمّا النسخ بحكم يضادّه، فقد يقع بثبوت الحكم، و قد يقع أيضا بدليل، و إنّما كان كذلك؛ لأن تضادّ الحكمين دليل على زوال أحدهما بالآخر من حيث علم أنّهما لا يصحّ أن يجتمعا في التكليف. و لا شبهة في أن الحظر يضادّ الإباحة و الندب، و الوجوب أيضا في حكم الضدّ للندب و الإباحة؛ لأنّ كونه مباحا يقتضي نفي ماله يكون ندبا و واجبا، و كونه ندبا يقتضي نفي ما يكون له واجبا.
[١] سورة البقرة، الآية: ١٨٧.