نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٢٠
و يمكن في الآية وجه آخر: و هو أن يكون المراد بها أنّ الأمر ينتهي إلى ألاّ يكون موجود قادر غيره، و يفضي الأمر في الانتهاء إلى ما كان عليه في الابتداء، لأنّ قبل إنشاء الخلق هكذا كانت الصورة، و بعد إفنائهم هكذا يصير و تكون الكناية برجوع الأمر إليه عن هذا المعنى، و هو رجوع حقيقيّ، لأنّه عاد إلى ما كان عليه متقدّما.
و يحتمل أيضا أنّ المراد بذلك أنّ إلى قدرته تعود المقدورات، لأنّ ما أفناه من مقدوراته الباقية كالجواهر و الأعراض ترجع إلى قدرته، و يصحّ منه تعالى إيجاده لعوده إلى ما كان عليه، و إن كان ذلك لا يصحّ في مقدورات البشر و إن كانت باقية؛ لما دلّ عليه الدليل من اختصاص مقدور القدر باستحالة العود إليها، من حيث لم يجز فيها التقديم و التأخير، و هذا أيضا حكم، هو تعالى المتفرّد به دون غيره من سائر القادرين، و اللّه أعلم بما أراد [١] .
- وَ اَللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ [البقرة: ٢١٢].
[إن سأل سائل]فقال: أيّ تمدّح في الإعطاء بغير حساب، و قد يكون المعطي بحساب أجزل عطية من المعطى بغير حساب؟
الجواب: قلنا في هذه الآية وجوه:
أوّلها: أن تكون الفائدة أنّه تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق و لا احتساب منه، فالحساب ههنا راجع إلى المرزوق لا إليه تعالى: كما يقول القائل: «ما كان كذا و كذا في حسابي» أي لم أؤمله و لم أقدّر أنّه يكون؛ و هذا وصف للرزق بأحسن الأوصاف؛ لأنّ الرزق إذا لم يكن محتسبا كان أهنأ له و أحلا؛ و قد روى عن ابن عباس «رضي اللّه عنه» في تفسير هذه الآية أنّه قال: عنى بها أموال بني قريظة و النضير، و إنّها تصير إليكم بغير حساب و لا قتال، على أسهل الأمور و أقربها و أيسرها.
و ثانيها: انّه تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيّق و لا مقترّ بل يزيد في السعة
[١] الأمالي، ١: ٣٦٢.