نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٠ - تنزيه الأنبياء كافة عن الصغائر و الكبائر
ثوابا مستحّقا ثابتا، و ترك النوافل ليس كذلك. و فرق واضح في العادة بين الانحطاط عن رتبة ثبتت و استحقّت، و بين قوّتها، و أن لا تكون حاصلة جملة.
ألا ترى أنّ من ولي ولاية جليلة و ارتقى إلى رتبة عالية، يؤثّر في حالة العزل عن تلك الولاية و الهبوط عن تلك الرتبة، و لا يكون حاله هذه كحاله لو لم ينل تلك الولاية و لا ارتقى إلى تلك الرتبة؟و هذا الكلام الّذي ذكرناه يبطل قول من جوّز على الأنبياء عليهم السّلام الصغائر على اختلاف مذاهبهم في تجويز ذلك عليهم على سبيل العمد أو التأويل؛ إلاّ أنّ أبا علي الجبّائيّ و من وافقه في قوله: إنّ ذنوب الأنبياء لا تكون عمدا، و إنّما يقدمون عليها تأويلا، و يمثّل لذلك بقصة آدم عليه السّلام، فإنّه نهي عن جنس الشجرة دون عينها فتأوّل فظنّ أنّ النهي يتناول العين، فلم يقدم على المعصية مع العلم بأنّها معصية، قد ناقض؛ فإنّه إنّما ذهب إلى هذا المذهب تنزيها للأنبياء عليهم السّلام، و اعتقادا أنّ تعمّد المعصية مع العلم يوجب كبرها، فنزّهه عن معصية و أضاف إليه معصيتين؛ لأنّه مخطىء على مذهبه في الاعراض عن تأمّل مقتضى النهي، و هل يتناول الجنس أو العين؛ لأنّ ذلك واجب عليه و مخطىء في التناول من الشجرة، و هاتان معصيتان.
و بعد: فإنّ تعمّد المعصية ليس يجب أن يكون مقتضيا لكبرها لا محالة؛ لأنّها لا يمتنع أن يكون مع التعمّد لصاحبها من الخوف و الوجل ما يوجب صغرها، و يمنع من كبرها. و ليس له أن يقول: إنّ النظر فيما كلّفه من الامتناع من الجنس أو النوع لم يكن واجبا عليه؛ لأنّ ذلك إن لم يكن واجبا عليه فكيف يكون مكلّفا؟و كيف يكون تناوله معصية؟و لا بدّ على هذا من أن يخطر اللّه تعالى بباله ما يقتضي وجوب النظر في ذلك عليه. و إذا وجب عليه النظر و لم يفعله فقد تعمّد الإخلال بالواجب، و لا فرق في باب التنفير بين الاقدام على المعصية و الاخلال بالواجب، فإذا جاز عنده أن يتعمّد الاخلال بالواجب و لا يكون منه كبيرا، جاز أن يتعمّد منه نفس التناول و لا يكون منه كبيرا.
فأمّا ما حكيناه عن النظّام و جعفر بن مبشر و من وافقهما، من أنّ ذنوب الأنبياء عليهم السّلام تقع منهم على سبيل السهو و الغفلة، و أنّهم مع ذلك مؤاخذون بها،